السؤال اللغز!
08 مارس 2014 , 12:00ص
نشرت أجهزة الإعلام المصرية منذ أيام، قرار إحالة أكثر من ستمائة متهم، بقتل رقيب شرطة. وتضم القائمة قيادات إخوانية، في مقدمتهم المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، لاحظ رقم المتهمين مقارنة بالضحية. كما أن الدكتور محمد مرسي وآخرين، ومنهم قيادات إخوانية أيضاً، يواجهون تهما بقتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية، وعددهم محدود لا يتجاوز الـ11 شهيدا، وأغلبيتهم من المنتمين للإخوان المسلمين، والذين تم استبعادهم من قائمة الضحايا، في الوقت نفسه، الذي يتم إصدار أحكام نهائية، ببراءة عدد من قيادات الشرطة، وأفراد الأمن بتهمة قتل المتظاهرين، أثناء ثورة يناير 2011 بالإسكندرية، في آخر قضية من نوعها. وكانت بالعشرات حول نفس التهمة قتل المتظاهرين، وفي أماكن متفرقة من جمهورية مصر العربية، في مشهد عبثي، يؤكد حقيقة ما وصلت إليه الأمور في مصر، والتي أصبحت ألغازا تحتاج إلى تفسير، فهل يمكن أن يكون هناك شهداء من دون قتلة؟ هل يمكن أن نتصور أن هناك مصابين، من غير وجود جناة؟ هذا ما حدث في مصر المحروسة، فبعد أكثر من ثلاث سنوات على ثورة 25 يناير، ما زالت الأسئلة تبحث عن إجابة، بعد مسلسل البراءة لكل ضباط الشرطة ورجال الأمن، وفي المقدمة منها من وراء مقتل ألف شهيد وحوالي 6 آلاف مصاب خلال الثورة؟ وللأسف الشديد ضاعت القضية، وسط الخلافات الحادة بين حلفاء الأمس، وأعداء اليوم، من القوى الثورية التي تشاركت في الثورة، حول قضايا مفتعلة هامشية، وسيطرة القوى المضادة على المشهد السياسي، واستعادة زمن ما قبل الثورة، ولعل القضية تثير العديد من النقاط، التي تستوجب التوقف عندها، ورصدها بالتحليل ومنها:
أولا: أن الجرائم التي تم ارتكابها، لم تكن قاصرة على مدينة دون غيرها، أو محافظة مصرية بعينها، ولكنها في القليوبية، وتمت تبرئة مدير الأمن الأسبق، وثلاثة من الضباط. وفي السويس، حيث حكمت المحكمة، ببراءة مدير الأمن وعدد من الضباط، وصاحب معرض سيارات، شارك في عمليات القتل، وفي أماكن متعددة من محافظة القاهرة، في المرج، ودار السلام، والشرابية والسيدة زينب، والوايلي، والدرب الأحمر وكرداسة، وإمبابة وبني سويف، والزقازيق والمنصورة وطنطا، وتشير الإحصاءات إلى أن عدد القضايا، وصل إلى 36 والمتهمين إلى 164 من القيادات، وبعد أكثر من عامين، صدرت أحكام بالبراءة لـ203، وحكمان بالإدانة، وفي 59 قضية، صدرت أحكام مع وقف التنفيذ، فيما يوصف إعلاميا، بـ «مهرجان البراءة للجميع».
ثانيا: الغريب في الأمر، هو استمرار محاكمة مبارك، بعد الاستئناف على الحكم الخاص به، بالسجن المؤبد في نفس القضية، ومعه حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، وبراءة ستة من معاوني الوزير، بنفس تهمة قتل المتظاهرين، وذلك في 2 يونيو 2012، والسؤال هنا إذا كان مبارك الرئيس، تم اتهامه في القضية، وقام الدفاع عنه بممارسة حقه في نقص الحكم، وما زال القضاء يتداول القضية، وقد تنتهي بالإدانة أو البراءة، في الحالة الأولى، سيكون هناك إشكالية إذا تمت إدانة المسؤول، فماذا عن أدوات تنفيذ الأمر، الذين قتلوا بالفعل المتظاهرين، في الشوارع والميادين أثناء الثورة. وإذا كان العكس، فهذا اكتمال مهرجان البراءة للجميع، والأمر يرجع إلى أسباب أخرى، لعل من أهمها، أن القضية تحول فيها الطرف الأكبر، إلى الخصم والحكم، فالطرف المدان، هو في هذه الحالة الشرطة وأجهزة الأمن، والتي قامت باستخدام السلاح في مواجهة مظاهرات سلمية، هو في الوقت نفسه الحكم، الذي عليه تقديم الأدلة والمعلومات والوثائق، وقد استندت معظم القضايا، التي تم الحكم فيها بالبراءة، كما جاء في الحيثيات، إلى عدم كفاية الأدلة، وعدم ثبوت الجريمة، وتضارب أقوال الشهود؟ وهو ما يراه الكثير من الحقوقيين، دليلا واضحا، على تقصير النيابة العامة، في تقديم الأدلة الكافية، لإثبات التهم، وتحديد المتهمين، كما امتنعت الأجهزة المعنية، عن تسليم بعض الفيديوهات، التي تمتلكها أجهزة سيادية، ويكفي أن التحريات التي كانت تتم في تلك الجرائم، بواسطة إما نفس الضباط المتهمين، أو زملائهم في الخدمة! والغريب أنه تم تكوين أكثر من لجنة لتقصي الحقائق، وآخرها في عهد الدكتور محمد مرسي، والتي جمعت كل القضايا، في ظل أن الفعل واحد، من المؤسسة الأمنية ومنسوب إلى السلطة التنفيذية، المتمثلة في رئيس الجمهورية، باعتباره الرئيس الأعلى لجهاز الشرطة، وهو الذي أصدر الأوامر لوزير الداخلية، والتي وصلت بدورها إلى مديري الأمن، كما نجحت اللجنة في جمع الأدلة والوثائق وأوامر الخدمة، وكانت كلها تدور، حول التعامل الحازم والحاسم مع المتظاهرين، ومنها أوامر قطع الاتصالات، ومراسلات الأمن المركزي، وتم تسليمه إلى الرئيس محمد مرسي، ولسبب ما لم يتم التصرف أو التعامل بالجدية التامة مع التقرير.
ثالثا: ولعل كل ما سبق، كان أحد العوامل، وراء الحملة المنظمة والمدروسة بعناية، لتشويه الثوار. والادعاءات بأنهم بلطجية، كانوا يهاجمون أقسام الشرطة، وهو ما راج في كثير من الكتابات، خاصة بعد 30 يونيو، واستعادة الشرطة أسطورتها ونفوذها، صحيح أنه من الطبيعي، أن تشهد أقسام الشرطة، حالة من الهرج والمرج والانفلات، خاصة بعد انهيار الشرطة، وانسحاب أفرادها من الأقسام، وتركهم لخدماتهم، والتخلي عن مهامهم، ما ساعد بعض أصحاب السوابق، في الانتقام من أفراد الشرطة، أو هروب بعض المساجين، ولكن الأغلبية العظمى من الشهداء، سقطوا في الأيام الثلاثة الأولى للثورة، من 25 إلى 28 يناير 2011، قبل انهيار الشرطة، وأثناء المظاهرات، والمواجهات في الميادين الرئيسية، في القاهرة والمحافظات، حيث استخدمت الشرطة الرصاص الحي، لتفريق المتظاهرين، وفقا للأوامر الصادرة لهم، ولكن لعبة خلط الأوراق، ومحاولة تشويه الثورة والثوار، كانت وراء الترويج لفكرة، أن البلطجية وأصحاب السوابق، كانوا وراء الهجوم على الأقسام، ما يدخل كل قضايا قتل المتظاهرين، في بند الدفاع الشرعي عن النفس، والحفاظ على المنشآت العامة، والمقار الأمنية.
رابعا: دخلت القضية رغم وضوحها، في أتون الصراع السياسي، والخلاف الداخلي بين التيارات المختلفة، وبعضهم كان من حلفاء الأمس، وجمعت بينهم الميادين، ولكن عندما تحولوا إلى أعداء اليوم، بدأت الاتهامات تنهال على الإخوان المسلمين، بأنهم وراء قتل المتظاهرين، دون أن تقدم أي جهة معلومة أو دليلا واحدا على ذلك، خاصة أن الإخوان كانوا بمئات الآلاف في الميادين، وكانوا الشريك الأكبر والأهم في الثورة، باعتراف الكل، ولكن عمليات التزوير، وصلت إلى حد الربط بين الهجوم على سجن وادي النطرون، والاعتداءات التي تمت على أقسام الشرطة. أو أنهم استخدموا عناصر حماس في قتل المتظاهرين، دون تقديم متهم واحد في أي من تلك القضايا، وذهب البعض إلى اتهام جهات أجنبية، ومنها أميركا أو سفارة فرسان مالطة وغيرها، في قتل المتظاهرين، كجزء من مخطط لإسقاط نظام مبارك، كما ادعوا.
وبعد، ستظل القضية أحد الألغاز، التي تستوجب فك طلاسمها، والكشف عن حقيقة ما جرى، حتى لا تذهب تلك الدماء الذكية، من دون عقاب، للذين ارتكبوا تلك الجريمة البشعة.