جبهات مفتوحة!!
08 فبراير 2014 , 12:00ص
نحن نتحدث عن الترويج الكاذب، وإشاعة الأوهام، حول فكرة نجح الإعلام المصري في ترويجها، والترويج لها في أوساط الشعب المصري، والطبقات البسيطة منه، وهي أن العالم كله يتآمر على مصر، ويستهدف أمنها واستقرارها، ويخطط لعدم تقدمها أو ازدهارها. قد لا تكون الظاهرة وليدة اليوم، ولكنها تزيد في الأزمات، رغم أن الوقائع والقراءة الصحيحة لها، تؤكد أنها سمة من سمات العلاقات بين الدول، وتتحكم فيها لعبة المصالح، والمواقف والرؤية المتغيرة، وترتبط المسألة بأكثر من اعتبار..
الأول: التغطية على وجود أزمات داخلية، تعجز الحكومات عن التعاطي معها، والقدرة أو الإرادة لحلها.
الثاني: خلق أعداء وقوى معادية خارجية، حتى لو كانت وهمية، في محاولة لإلهاء الشعب عن حقائق الأزمات الداخلية، وتعليق الفشل في رقبة تلك القوى، والجماعات والدول.
الثالث: الهروب إلى الإمام، والقفز على تلك التحديات، وعدم الاعتراف بأن هناك أزمات حقيقية، تتعلق أسبابها بالداخل.
ولعل الفترة السابقة منذ 30 يونيو في مصر، تمثل نموذجا فريدا لتلك الظاهرة، فالحكومة المصرية تحاول الهروب من حقيقة أن هناك أزمة محتدمة في مصر، نتيجة كل ما جرى منذ ذلك التاريخ، الذي شهد سقوط أكبر عدد من الضحايا في التاريخ المصري، ووصل عدد القتلى إلى عدة آلاف، سواء من قطاعات من الشعب المصري رفضت آلية التغيير الذي تم في 30 يونيو، أو حتى من قوات الجيش والشرطة. يضاف إلى ذلك وصول عدد المعتقلين إلى مستوى غير مسبوق، والكثير منهم لم يتم توجيه تهم محددة إليه، ولم يحل إلى القضاء. بالإضافة إلى مخطط استئصال تيارات سياسية مستقرة وفاعلة في المشهد المصري عبر سنوات طويلة، وحرمانها من ممارسة العمل السياسي، ونقصد هنا جماعة الإخوان المسلمين، وهي في القلب من تيار الإسلام السياسي، بعد بيان صدر من مجلس الوزراء، دون أي أسانيد أو أحكام قانونية، باعتبارها جماعة إرهابية.
وتنسى الطبقة الحاكمة في مصر، أن من سمات العمل السياسي الدولي، التزام قواعد الديمقراطية، وإتاحة المزيد من حرية الرأي، والعمل الجماهيري، كما أن كل دول العالم تهتم بشؤون الدول الأخرى، لدرجة أن الأمم المتحدة، تمثل مظلة دولية، تم استخدامها للتدخل الدولي في العديد من المشكلات، التي تتعلق بحماية المواطنين، في النزاعات الداخلية، كما حدث في رواندا، والبوسنة والهرسك، وفي الآونة الأخيرة في الأزمة الليبية، وكذلك مع استمرار الأزمة السورية، كل ذلك تم بقرارات تمثل الشرعية الدولية، ومن مجلس الأمن، وتحت الفصل السابع، دون أن يمثل الأمر مؤامرة دولية، على هذه الدولة أو تلك. ولا يعني ذلك على الإطلاق أن ذلك دعوة للتدخل الدولي في الشأن المصري، فهذا أبعد ما يكون عن رؤيتنا، ونرفضه تماماً، «فأهل مكة أدرى بشعابها»، ولكنها محاولة لتفسير مواقف دولية عديدة، من دول ومنظمات دولية تجاه الأحداث المصرية، وطريقة المعالجة الخاطئة من النظام المصري، في الهروب من مهامه في حل الأزمات الداخلية، بالترويج لفكرة المؤامرة الدولية، وفتح جبهات للصراع، وافتعال الأزمات مع الخارج. ونتوقف عند بعض تلك المواقف:
أزمات حول تحديد طبيعة ما حدث في 30 يونيو: هل هو انقلاب كما يتم توصيفه من العديد من الدول؟ أم انحياز الجيش لإرادة الشعب المصري، كما تقول الحكومة؟ ولعل النموذج الأقرب إلى ذلك، التوتر في العلاقات مع واشنطن، رغم إدراك النظام في مصر، أن القوانين الأميركية تمنع الإدارة من التعامل مع حكومات لم تأت عبر صناديق الانتخابات، أو جاءت عبر انقلاب عسكري، مما استدعى تجميد جزء من المساعدات الأميركية لمصر، واستتبع ذلك حملة واسعة شارك فيها الإعلام وعلى المستوى الرسمي ضد إدارة أوباما، واتهامات بدعمها لنظام وجماعة الإخوان المسلمين، دون تقديم أي أسانيد لذلك، وسعيها للتآمر على مصر، رغم أن الاتصالات مستمرة بين الجانبين، واللقاءات لا تنقطع بين وزيري الخارجية، والاتصالات المستمرة بين وزيري الدفاع، وكذلك الزيارات التي يقوم بها أعضاء من الكونجرس للقاهرة.
وعلى نفس المسار، جاء موقف الاتحاد الإفريقي الذي جمد عضوية مصر في الاتحاد، خاصة أن الميثاق يمنع وجود دول تمثل حكومات جاءت عبر انقلاب عسكري، ولم تنجح الدبلوماسية المصرية حتى الآن في إقناع اللجنة المشكلة لذلك، من أن هناك خريطة للمستقبل، تتضمن إصلاحات وعودة للمسار الديمقراطي، وغابت مصر لأول مرة في تاريخها، عن المشاركة في قمة إفريقية، بدأت أعمالها نهاية الأسبوع الماضي في أديس أبابا، واكتفت بمشاركتها في أعمال مجلس الأمن والسلم الإفريقي فقط، كما لم تدعو واشنطن القاهرة لحضور القمة الأميركية الإفريقية، التي يغيب عنها عدد محدود من الدول الإفريقية.
أزمات نتيجة اتهامات بدون أدلة بالتأمر على مصر والتدخل في شؤونها: ومثال ذلك تركيا، ووصلت الأزمة إلى سحب سفيري البلدين، وتخفيض مستوى العلاقات إلى أدنى مستوى، رغم إدراك الحكومة المصرية مدى حساسية الأتراك لقضية أي دور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، وهي سمة المرحلة الحالية في مصر. يضاف إلى ذلك الموقف من قطر، دون قراءة متأنية للمواقف القطرية المعلنة تجاه الأحداث في مصر منذ 30 يونيو وحتى الآن، والتي تنحاز إلى اختيارات الشعب المصري وتدعو إلى الحوار وترفض العمليات الإرهابية، ولكنها في الوقت نفسه تستنكر سفك دماء المصريين بصفة عامة. وهناك حماس التي يحاكم عدد من رجالها في بعض القضايا، ومنها اقتحام السجون في أثناء الثورة، بالإضافة إلى محاولة الربط بين عناصرها والعمليات الإرهابية في سيناء.
أزمات نتيجة الإحساس بأن مصر تواجه الإرهاب: مثلما هو الأمر مع ليبيا، بعد إلقاء القبض على أحد قادة الثورة ضد القذافي، وتسريب الأجهزة الأمنية لمعلومات كاذبة بتورطه في عمليات إرهابية في مصر، وآخرها عملية محاولة تدمير مديرية أمن القاهرة، ورد جهات ليبية باحتجاز عدد من الدبلوماسيين المصريين في طرابلس، ثم الإفراج عن الجميع في إطار صفقة، والتأكيد الرسمي المصري بأن الرجل بريء وغير مدان، والكشف عن معلومات أنه دخل مصر بتأشير صحيحة للإعداد لرسالة دكتوراه، وأنه تم استدعاؤه بعد تجاوزه مدة الإقامة الممنوحة له.
أزمات ناتجة عن تجاوزات حقوق الإنسان في مصر، خاصة مع المنظمات الحقوقية، مثل هيومان رايتس، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي أعربت في بيان أخير لها عن القلق البالغ لتصاعد أعمال العنف في مصر، ودعت الدولة إلى احترام حق التظاهر السلمي وحق التعبير وإجراء تحقيقات عاجلة وفورية ومستقلة في أعمال القتل، وتقديم المسؤولين عنها للعدالة، مع سرعة إطلاق سراح المعتقلين، أو توجيه تهم جنائية واضحة لهم وتقديمهم للعدالة وفقا للمعايير الدولية. ودائما ما ترد الحكومة باتهام تلك المنظمات بازدواجية المعايير وتسييس عملها، بل أحيانا العمل بإيعاز من دول مناهضة لمصر، وكلها اتهامات لا معنى لها.
ويعد هذا جزءا من كل من الجبهات المفتوحة بعد 30 يونيو، دون أن تعترف الحكومة المصرية بأن هناك أزمة سياسية داخلية، يجب البحث لها عن حلول لها، بعيدا عن الترويج لفكرة التآمر على مصر، أو أن الحكومة تواجه الإرهاب، رغم أنه «عرَض لمرض» يستدعي العلاج!!