


عدد المقالات 103
على أغلق العام الماضي أبوابه على عجل من دون تنظيف غرفه ولا مراجعة مسيرته، فكان أن ترك لنا إرثا مرتبكا من إنجازات ورقية ونجاحات وهمية، وعلى كل حال فالبشر الذين كانوا يعيشون بداخل العام لم يصدقوا أنه رحل وظل أغلبهم يعتقد أن العام ممتد. البعض يرى أن العام ممتد في دول الثورات، وأن أمر إغلاق بابه لم يعد بيده أو بيد التاريخ أو الجغرافيا، بل بيد الشعوب التي تنهال عليها مباشرة تبعات الثورات والتغيرات التي تفاجئ صباحهم اليومي. وفي تونس استيقظ الشعب قبل أسبوع واحد من نهاية 2012 وقد صار لهم دستور جديد ينسف إنجازات الثورة التونسية الأولى عام 1956 التي حصلت تونس عقبها على الاستقلال الكامل من سيطرة الفرنسيين. جاء آنذاك المعارض الثائر «الحبيب بورقيبة» وعمل على إعادة بناء الدولة بادئا بتأسيس دستور طموح اعتبر لعقود طويلة الأفضل عربيا فيما يخص الحريات الفردية والمساواة بين المواطنين, خاصة بين النساء والرجال. مسودة النسخة الجديدة للدستور القادمة على مركبة حزب النهضة التونسي وفق رأي القانوني التونسي البارز «عياض بن عاشور» تمثل الثورة المضادة، وتمهد لديكتاتورية الدولة الدينية التي تمثل أسوأ أشكال الديكتاتوريات، تتعارض مع ما طالبت به الثورة التونسية، أي الدولة المدنية. واعتبر بن عاشور أن مسوّدة الدستور التونسي الجديد تتضمن مسائل خطيرة متنوعة أبرزها «اغتيال الحرية الفكرية». مستشهدا بمصطلح (احترام المقدسات) والذي تكرر في مسودة الدستور ضاربا عرض الحائط بالدولة المدنية التي أقيمت عليها تونس بعد الاستقلال. الأمر ذاته مع الدستور المصري الذي أبدى اهتماما ملحوظا بأمر الأخلاق والحفاظ عليها، فكررها في مواضع عدة مؤكداً على ضرورة حماية الأخلاق، بينما لم ينتبه لأمر الفقر إلا لمرة واحدة. مسودة الدستور التونسي كما الدستور المصري تمتلئ بالمناطق الرمادية الغامضة التي يسهل توظيفها لاحقا في صياغة قوانين تكبل الحريات، فكلاهما غابت عنهم كافة مرجعيات حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، ومدنية الدولة، وحرية المعتقد، كما عززا من هيمنة الأغلبية وليس حكم الأغلبية، كما في الدستور التونسي السابق. المفارقة أن الدستور التونسي استغرق إعداده ما يقرب من عام ونصف العام. في حين أعد الدستور المصري في عجلة اتسم بها عمل الجمعية التأسيسية المناط بها إنجازه, خشية صدور حكم قضائي مرتقب بعدم دستوريتها. ورغم ذلك فإن كلا الدستورين يمهدان لدولة دينية وسيطرة إخوانية وعودة إلى مرحلة ما قبل الدولة. إن الموضوعية تحتم النظر إلى كلا المشروعين باعتبارهما التجربة الأولى غير الناضجة لجماعات ظلت تناوئ الأنظمة, وكل من يعلو صوته من العلمانيين. وهي آنذاك كانت تجتهد في أنشطة الدعوة وفي حشد مناصرين لها من على منابر المساجد وبداخل الغرف المغلقة، لكنها لم تختبر العمل السياسي يوما ولم يُسمح لها بالجلوس في كرسي المعارضة لتتعلم أصول اللعبة السياسة وواجباتها, ولتدرك أهمية حماية المؤسسات واحترام أعمدة الدولة. إننا إذن إزاء جماعة تحبو في ملعب المدرسة ولم تلتحق بعد بعامها الدراسي الأول. وعوضا عن استدعاء أساتذة للمدرسة واحترام تاريخ كامل مليء بالدروس والعبر تتجاهل طفولتها، وتبدأ مباشرة في التمرس على شعوب بأكملها يقترب سكانها من مليون نسمة إذا ما جمعنا سكان مصر وتونس معا. الجماعة إذن حملت مهمة تتجازها ولا تملك مفاتيحها, فكان طبيعيا أن تخرج بدستور تونسي وآخر مصري معبأ بأدوات تحمي وجودهما. في ظل الإدارة التونسية والمصرية الحالية صغرت الدولتان وانكمشتا وصارتا أشبه بمزرعة لراع لم يعرف شيئا عن الرعي يوما, فلم يجد وسيلة لحماية عرشه سوى رفع الأسوار، والأسوار الأولى التي ارتفعت في الحالة المصرية والتونسية هي الدستور والذي بدأت تبعاته تهل على مصر من إقرار بمنع التظاهرات. والعادة أن الدساتير تخرج من قلب الثورات معبرة عنها ومتسقة مع أهدافها، فقد خرج دستور «صولون الإغريقي» استجابة لعصيان شعوب أثينا المقهورة، فكان أول الدساتير الثورية في العصور القديمة، فالثورات تعد الوسيلة الأولى الأهم التي تلجأ إليها الشعوب لتحقيق التغيير وتستند إليها لإلغاء الدساتير الماضية، وإرساء دساتير عادلة تحقق مطالبها. هكذا خرج دستور مصر عام 1923 من رحم ثورة 1919 وكذلك خرج دستور الولايات المتحدة الأميركية عام 1778, أول دساتير العالم الحديثة قاطبة. والذي كان ابنا شرعيا للثورة الأميركية على البريطانيين عامي 1775-1776. يعكس الدستور آمال الشعب وطموحاته، ويجب أن يكون مرآة للظروف والأوضاع المجتمعية. وهكذا خرجت دساتير دول العالم خاصة بعد الثورات, فكانت دساتير استغرق إعدادها أعواما في بعض الأحوال لكنها خرجت بتوافق القوى السياسية فجاءت معبرة عن احتياج الدول, وجاءت كسقف لمنزل مرتفع ينتظر البناء. الدستوران المصري والتونسي لن يصمدا كثيرا، فكلاهما بني على إدراك خاطئ لحجم الأوطان. فمصر كما هي تونس عملاقة كبيرة عالية السقف والمقام والتراث، ولن يرضى شعبيها العيش في كوخ قصير متداعي الجدران.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...