


عدد المقالات 307
يحمل الرئيس الروسي نظيره التركي شخصياً مسؤولية إسقاط طائرة الـ «سوخوي 24» يوم 25 نوفمبر الماضي في شمالي سوريا، بعد انتهاكها الأجواء التركية. وأقحم الكرملين وزارة الدفاع الروسية حتى في الجانب السياسي من الحملة على رجب طيب أردوغان، كما لو أنه يحرّض المؤسسة العسكرية التركية ضد قائدها العام. وبعدما وصف فلاديمير بوتن إسقاط الطائرة بأنه «طعنة في الظهر»، عاد فكرّر أنها «عملية غدر لن تنساها روسيا أبداً» قبل أن يهدّد تركيا بأنها «ستندم على ما فعلته». لكنه قال: «لن نشهر السلاح». بديهي أن وعيداً لدولة واستهدافاً لشخص رئيسها يستدرجان رد فعل معاكساً تماماً في تركيا أياً تكن الخلافات الداخلية. وإذا كان التصعيد البوتني موجها أولاً إلى الداخل الروسي فإنه يهدف إلى التمهيد لإبلاغ الرأي العام لديه أن الحرب التي وعده بأن تكون سريعة ومحدودة زمنياً، ستطول أكثر مما كان متصوراً. ولا شك أن إسقاط الطائرة المدنية فوق سيناء ومقتل العديد من الروس في عملية رهائن الفندق في باماكو فضلاً عن إسقاط الطائرة الحربية، شكلت تطورات وضحايا غير متوقعة في حسابات بوتن. لذلك يصر على التقاط الحادث الأخير بغية إظهار أن روسيا لم تذهب إلى سوريا لتنهزم بل لتفرض وجودها وتؤكد نفوذاً كان لها دائماً حتى في وجود الإيرانيين، وأن على الدول الأخرى أن تتكيف مع تحركات الدب الروسي وألا تزعجه طالما أنها لم تبادر إلى -بل لم تشأ- التدخل في سوريا. ظل «القيصر» ضامناً أن الولايات المتحدة لم تتجاوز موافقتها المسبقة على دوره في سوريا وإن كانت لم تتخلَّ عن ضرورة تقنين هذا الدور ومحاولة توجيهه، وهو ما تفعله على أي حال، وبشيء من النجاح، سواء في لقاءات فيينا لـ «المجموعة الدولية لدعم سوريا» أو في تنشيط وتفعيل القوى الموجودة على الأرض والمؤهلة لخوض القتال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، أو «داعش». كذلك يبقى «القيصر» ضامناً أن حلف الأطلسي (الناتو) لم يشأ سابقاً ولا يريد حالياً مواجهة مع روسيا ولا تدخلاً في سوريا، وإن كان الحلف بات معنياً أكثر من ذي قبل بالأزمة التي ضربت أوروبا بتدفق اللاجئين عليها ومفاقمة خطر إرهاب «داعش» في عواصمها. بديهي أن هاتين الضمانتين، الأميركية والأطلسية، لا تعنيان تسليماً للدور الروسي كما يتخيله الكرملين بل توجبان عليه التنسيق بمعناه الأكثر شمولاً. والأهم أنهما لا تلغيان حقيقة أن لتركيا في شمالي سوريا مصالح زادتها الأزمة بفعل اضطرارها لاستقبال نحو مليوني نازح ولدعم المعارضة بجناحيها السياسي والعسكري، وكذلك بسبب تعاظم الشأن الأمني وتأثر الوضع الداخلي التركي بتحريك ورقة الأكراد السوريين واستطراداً الأكراد الأتراك، وأخيراً باستهداف التركمان السوريين ومعاملتهم كأقلية يمكن اقتلاعها، فضلاً عن الإشارة بين حين وآخر إلى بروز تعاطف وتواصل جغرافي بين العلويين في البلدين. كل ذلك تعرفه روسيا جيداً لكنها فضلت تجاهله، متوقعة من أنقرة أن ترضخ للأمر الواقع الروسي وتتقبّل كما هو حتى لو عمد إلى تهميشها أو إلى محاولة إخراجها من الصراع وتحييدها، تماماً كما تسعى موسكو أيضاً إلى استبعاد أطراف عربية مثل السعودية وقطر. استثارت الضربة التركية بوتن فتعامل معها منذ اللحظة الأولى باعتبارها مسا بكبريائه الشخصية مقدار ما أن إسقاط طائرة روسية حادث نادر لم يحصل حتى خلال الصراع والحرب الباردة بين المعسكرين الدوليين. وراح يتصرف بنمط شخصي أيضاً لا كرجل دولة، بالأحرى دولة كبرى، بل تحولت كل المؤسسات إلى آلة بروباغندا موتورة استخرجت تقارير استخبارية عن تجارة نفط «داعش» عبر الحدود التركية، بقصد الإساءة لأردوغان وعائلته، وبثت وثائق مصورة جوا ما لبث الخبراء أن نقضوها بسهولة. وكان مستهجناً أن يلجأ إلى «العقوبات»، متناسياً أن مطلبه الأول من الدول الغربية حالياً هو رفع العقوبات التي فرضتها عليه في سياق أزمة أوكرانيا. وبالنظر إلى حجم التبادل بين الدولتين فإن خسائر روسيا من إجراءاتها تفوق بكثير ما تخسره تركيا، بل تتضاعف خسائر موسكو مع وقف المشاريع التي كانت قيد الدرس والتفاوض أو على وشك توقيع اتفاقات، ومنها مثلاً شراء تركيا مفاعلات نووية روسية. كان أهم ما شغل بوتن إدراكه أن الضربة التركية لا تعرقل اندفاعه إلى فرض قواعد اشتباك معينة فحسب بل تطمح إلى تغييرها، وهذا ما لم يكن قادراً على قبوله أو السكوت عنه. لذلك شكل تصعيده نوعاً من الإنذار غير المباشر للولايات المتحدة وحلف «الناتو» بضرورة تأنيب أنقرة واحتوائها. ورغم أن المواقف الأولية الأميركية والأطلسية ظلت باردة إزاء تركيا تشجيعاً للتهدئة، إلا أن استمرار التصعيد الروسي دفع واشنطن إلى توضيح انحيازها للرواية التركية للحادث، ومثلها فعل «الناتو» متخلياً عن تحفظاته ليتبنى واقعة انتهاك الأجواء وحق تركيا في الردّ، بل ذهب أبعد بطرحه معاودة العمل باتفاقات فيينا التي كانت تطبق أيام الحرب الباردة لتفادي احتكاكات قد تؤدي إلى تداعيات غير محسوبة. ولا يبدو أن روسيا راغبة في ترتيب كهذا يحقق أهداف تركيا، وربما يمنعها من مواصلة استغلال الحادث إلى أقصى حد لا لمعاقبة تركيا فحسب بل خصوصاً لفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال ضرب مناطق المعارضة السورية ومواقعها، ذاك أن دعم نظام دمشق يبقى الهدف الرئيسي لتدخلها على أي حال.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...