وهم التغيير...!!
06 مارس 2014 , 12:00ص
لا جديد تحت الشمس في مصر، ذهبت وزارة حازم الببلاوي، وجاءت وزارة إبراهيم محلب. والآمال كما هي، والطموحات لم تختلف، وسقف التطلعات يعلو ويزيد، دون أي بارقة أمل في تغيير حقيقي في مصر، على كافة المسارات سياسيا واقتصاديا، وعلى صعيد تحقيق العدالة الاجتماعية، ولكن الملمح الأهم في ذلك التغيير، الذي يتم للمرة السادسة، خلال سنوات ما بعد ثورة 25 يناير، تلك المفاجأة المذهلة التي أصابت الجميع بتلك الخطوة غير المتوقعة من الكل، حتى من رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي نفسه، وفي ظل غياب المعلومات والشفافية، لم تعرف الطبقة السياسية، ولا معظم دوائر صنع القرار في مصر بأمر الاستقالة، لدرجة أن هناك خلافا حول القضية، هل هي استقالة تقدم بها الببلاوي بنفسه؟ أم إقالة دون إعلان، أو أن هناك جهات أعلى منه، هي من طلبت منه القيام بتقديم الاستقالة، وفي هذه الحالة نصبح أمام سؤال أهم وأخطر، لا يتعلق بمن هي تلك الجهة؟ ولكن ما هي الأسباب والمبررات وراء تلك الخطوة؟ والكل كان يدرك، أن الببلاوي ووزارته سينتهي دورها ووجودها، في نهاية المرحلة الانتقالية، وبعد أن تشرف على إجراء الانتخابات الرئاسية، عزز من تلك الحيرة، وذلك التخبط، أن الببلاوي نفسه، كان يتحدث عن تعديل محدود جداً، في عدد من الوزراء، قد لا يتجاوز أربعة، نتيجة استقالة الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ووفاة وزير الإنتاج الحربي، ورغبة البعض في ترك الوزارة، ومنهم وزير الرياضة، وتم تأجيل القيام بتلك الخطوة، في انتظار قرار المشير عبدالفتاح السيسي، وإعلانه الترشح للرئاسة، واختيار وزير جديد، بترشيح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يضاف إلى ذلك أن الببلاوي نفسه، كان قد أعد العدة، للمشاركة على رأس وفد مصر، في اجتماع إفريقي يعقد بعدها بأيام.
وزاد من الغموض، وكشف التخبط، المفاجأة التي أصابت الوزراء أنفسهم، عندما تم استدعاؤهم لاجتماع عاجل، في غير موعد الاجتماع الأسبوعي، والذي تم فيه إبلاغهم باستقالة الببلاوي. وطلبه أن تكون جماعية من كل الوزراء، كما أن الببلاوي نفسه زاد من حالة الغموض، عندما ألقى بيانه بعد إعلان الاستقالة، والذي تحدث فيها عن أن وزارته لم تكن الأفضل، ولكنها من قبلت القيام بتلك المسؤولية، بعد أحداث 30 يونيو، وإشارته إلى أن هناك معلومات كثيرة وراء القرار، ولكن لا يتم الإعلان عنها، وإشارته إلى أن الحكومة تحاسب على القرارات التي اتخذتها، وهناك أمور لا يتم الإعلان عنها، وكذلك استخدام لفظ «المواءمة لكل المنافع الداخلية والخارجية»، في طريقة اتخاذ القرارات، وقوله: إن هذا ليس وقت المصالح الشخصية، فالبلد فوق الجميع، وعموما مهما كان الأمر، فقد عادت «ريما إلى عادتها القديمة» كما يقول المثل المصري الشهير، ولم يعد المصريون يعرفون، لماذا جاء الببلاوي؟ ولماذا ذهب؟ كما جرت عليه العادة في كل حكومات مبارك، وكأن الشعب المصري، لا يمثل عند أصحاب القرار أي أهمية، تستدعي أن تكشف له، لماذا ذهب الببلاوي؟ وما هو سبب إقالته، واستقالته، دون التذرع بأن اندلاع الإضرابات، أو المطالب الفئوية، أو تفاقم مشاكل البنية التحتية، خاصة الكهرباء وراء ذلك، فهي مشاكل ظهرت بعد ثورة 25 يناير، ومثلت تحديا أمام كل الوزارات، سواء وزارة عصام شرف، أو كمال الجنزوري، أو هشام قنديل.
ولعل من المؤشرات المهمة في ذلك التغيير، أنه ذهب بكل وزراء جبهة الإنقاذ، أو الوزراء المسيسين، والذين حملوا لواء الاستئصال والثأر السياسي، من الإخوان المسلمين، وكان أداؤهم الوزاري، فضحية بكل المقاييس، أضاعت تاريخهم السياسي. والوحيد الذي أنقذ نفسه، وخرج بكرامته، هو الدكتور زياد بهاء الدين، الذي تعرض إلى حملة إعلامية شرسة، فقط لأنه طالب بالحوار السياسي، كآلية لحل الأزمة السياسية في مصر، فنال من الهجوم والاتهامات الكثير، ومنها أنه من الخلايا النائمة للإخوان. وأنه يحاول إعادتهم إلى المشهد السياسي من جديد. بينما كل الآخرين، أنهوا حياتهم السياسية أسوأ نهاية، ومن بينهم حسام عيسى وزير التعليم العالي، وأحد رموز حركة استقلال الجامعات في زمن مبارك، فإذا به يقبل بعودة الحرس الجامعي، ودخول قوات الأمن إلى الحرم الجامعي، واعتقال العناصر الطلابية، وكذلك أحمد البرعي الذي يحسب على اليسار، وكان «رأس الحربة» في الحملة ضد التيار الإسلامي، مستخدما خبراته القانونية، والتي تم الاعتماد عليها، في الإعلان عن الإخوان جماعة إرهابية، والتحفظ على الجمعيات الخيرية والأهلية، تحت زعم أنه موالية للإخوان، ناهيك عن كمال أبوعيطة وزير القوى العاملة، الذي قضى كل عمره في النضال، من أجل حقوق الطبقة العاملة. وشارك بنفسه -قبل الوزارة طبعا- في كل الاعتصامات العمالية، ولكن بعد الوزارة سمح بفض تلك الاعتصامات بقوات من الجيش أو الشرطة، وكان في الجانب الآخر، في الاعتصامات العمالية التي زادت خلال أشهر وجوده في الوزارة، وهناك وزير الرياضة المحسوب على حزب الوفد، الذي خلط بين العداءات الشخصية، والسياسة العامة للدولة، ودخل في صدامات مع الأندية الجماهيرية، وفي مقدمتها النادي الأهلي، وكانت النتيجة، أن رئيس الوزراء قام بإلغاء قرار بحل مجلس إدارة النادي الأهلي، بعد اتخاذه بساعات، دون أن يصر على الاستقالة. والوحيد الذي احتفظ بمنصبه، وأضيف إليه مهام أخرى، هو منير فخري عبدالنور، أحد قيادات حزب الوفد وجبهة الإنقاذ، ويبدو أن استمراره، مرتبط بكوته الأقباط في الوزارة، وليس لنجاح حققه أثناء وجوده في الوزارة السابقة.
ولا يجب أن يحدونا الأمل، في أي تغيير في سياسات الوزارة الجديدة، مخالفة لحكومة الببلاوي، الذي سيسجل لها التاريخ، أنها الأكثر دمويا في التاريخ المصري الحديث، ووصل حجم ضحاياها خلال فترة الأشهر السبعة، التي قضتها في السلطة، إلى 40 ألف ما بين شهيد، وجريح ومعتقل، بعد أحداث فض رابعة العدوية، وميدان النهضة، والحرس الجمهوري، والعديد من المناطق، التي شهدت مواجهات بين متظاهرين وقوات أمن، في مناطق متفرقة من مصر، دون الالتفاف إلى حلول ذات طابع سياسي، بل اعتمدت سياسة التصعيد والمواجهة، والاعتماد على الحل الأمني، خاصة أن أهم وزراء الحكومة السابقة، احتفظوا بمناصبهم في وزارة إبراهيم محلب، وهما وزيرا الدفاع والداخلية، رغم أن التسريبات تحدثت عن إمكانية التخلي عن محمد إبراهيم وزير الداخلية، لصالح أحد رجاله، رغم الانتقادات الواسعة لملف انتهاكات حقوق الإنسان، والوضع في السجون، وممارسات قوات الأمن والشرطة، وكذلك الفريق السيسي، ويبدو أنه في انتظار صدور قانون الانتخابات الرئاسية ليقدم استقالته من الوزارة، كخطوة مطلوبة للترشح. ويشار في هذا الشأن، إلى التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الجديد، الذي حدد مهمته في إعادة البناء، والاستمرار في الحرب ضد الإرهاب، كما نقل عنه وزير الداخلية أنه يدعم الشرطة بكل الإمكانات.
وبعد، فالأمر لا يتعلق فقط بوزراء الداخلية والدفاع، ولكن في التشكيلة التي يعتمد عليها إبراهيم محلب، والتي كشفت عن عودة لعدد من الوجوه المحسوبة، على نظام مبارك من ناحية، بما فيهم محلب نفسه، وكان أحد نجوم لجنة السياسات، برئاسة جمال مبارك، ناهيك عن عودة الاعتماد على رجال الأعمال، في مناصب وزارية، في إعادة لفكرة الزواج بين السلطة والمال والتي كانت أحد أسباب فشل نظام مبارك وسقوطه.