الإخوان ماذا هم فاعلون؟ 2-2
05 أكتوبر 2013 , 12:00ص
توقفنا في مقال أول أمس، عند آليات حكومة الانقلاب في مصر، لمواجهة الإخوان المسلمين عبر الإعلام، والآمن، والقضاء .ونستكمل مناقشة القضية.
نعود من جديد إلى مضمون الحكم، الذي يمكن أن نقول عنه: إنه ليس فقط إقصائيا، ولكنه استئصالي. بعد أن تضمن حظر نشاط جمعية الإخوان المسلمين في مصر، والجماعة المنبثقة عنها، أو أي منشأة متفرعة منها، أو تابعة لها، أو منشأة بأموالها، أو تتلقى التبرعات، ويكون من بين أعضائها أحد أعضاء الجماعة، أو الجمعية، أو التنظيم. والتحفظ علي أموالها العقارية والسائلة، سواء كانت مملوكة، أو مؤجرة لها، وكذلك كافة العقارات والمنقولات، والأموال المملوكة للأشخاص المنتمين إليها. وتشكيل لجنة مستقلة من مجلس الوزراء، لإدارة هذه الأموال، والعقارات والمنقولات المتحفظ عليها، ماليا وإداريا وقانونيا، لحين صدور أحكام قانونية بشأن ما نسب إلى الجماعة وأعضائها، من اتهامات جنائية،متعلقة بالأمن القومي، وتكدير الأمن والسلم العام. والفقرة الأخيرة هي اعتراف صريح وواضح، ينسف الحكم من أساسه. فهو يقر بأنه حتى الآن، لم يتم اتهام أحد من أعضاء الجماعة.
ويثير تنفيذ الحكم العديد من المشاكل، ومنها أن المحكمة غير مختصة بنظر القضية، ومن الطبيعي أن يتم رفضها في الاستئناف. كما أن الحكم لم يحدد جهة التنفيذ، وعدم وجود كشوف محدد وواضح، لعضوية الجماعة من الأصل، ولا المؤسسات المنبثقة منها، أو التي تلقت تبرعات من الإخوان، والخلط بين أموال الجماعة والأفراد، دون تحقيق قضائي بالمخالفة للدستور.
وتبدو قضية أموال الجماعة أحد المسائل الشائكة، فقد اختلفت التقديرات حول أموال الجماعة. وقدرتها بعض المصادر الإعلامية، بأنها وصلت إلى حوالي 100 مليار جنيه، منهم 30 داخل مصر والباقي خارجها، بينما تتواضع مصادر إعلامية مصرية أخرى، وتنخفض بالرقم إلى حوالي 3 مليارات، مما يعني أن الأجهزة الأمنية، التي تقوم بتسريب مثل هذه المعلومات، لا تملك الأرقام الحقيقية. كما أنها مملوكة لأفراد، دون أن يكون هناك علاقة بين تلك الممتلكات وعضو في الجماعة. ويبدو المشهد ضبابيا، تجاه مسالة التنفيذ، ويسودها نوع من التخبط، فقد أعلنت الوزارة أنها لن تقوم بتنفيذ الحكم، في انتظار صدور أحكام نهائية. وتعود في اليوم الثاني لتتحدث عن التزامها بالتنفيذ، وتشكيل لجنة حكومية من وزارات الداخلية، والعدل، والاستثمار والمالية والإسكان والتنمية المحلية،والتضامن الاجتماعي والأوقاف، وكافة المحافظين، فضلا عن خبراء من القانون والاقتصاد. تعكف على حصر تلك الممتلكات، وكأن هم الحكومة الأكبر هو أموال الجماعة.
ويظل السؤال المطروح، هل اللجوء للقضاء هو الكلمة الأخيرة في وجود تنظيم الإخوان؟ ويبدو أن الإجابة في العودة إلى التاريخ، فنحن نتحدث عن جماعة، يقترب عمرها من أكثر من ثمانين عاما. مرت بعشرات الأزمات المماثلة، وصمدت في مواجهتها. بل -وذلك هو العجيب- أنها أصبحت تنظيما دوليا. صحيح أنه ظهر في مصر، وأسسه الشيخ حسن البنا، ولكن أعضاءه في كل دول العالم تقريبا، ومن كل الجنسيات. وقد مرت بالعديد من المحطات، التي دافعت فيها عن شرعية وجودها عبر القضاء، نجحت مرات وأخفقت أخرى، ومن ذلك أول قرار بحل الجماعة قبل ثورة يوليو 1952، من رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي، وأقام أول مرشد عام لها دعوى قضائية، تم الحكم فيها من في عام 1951، ببطلان قرار وزير الداخلية وأكد الحكم أن الجماعة وفقت أوضاعها، وصدر الحكم النهائي في القضية في العام التالي، وألغي أمر الحاكم العسكري بالحل، واستمرت المواجهات بين النظام الناصري الجديد والجماعة، عقب محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في العام 1954، بعد صدور أحكام بالسجن وإعدام ستة من القيادات. وعادت بصورة أشد في عام 1965، بعد قضية إعادة أحياء التنظيم، وتم تشكيل محكمة عسكرية أصدرت قرارات بالإعدام على 7 أشخاص، في مقدمتهم الشيخ سيد قطب. ورفض القضاء الإداري عام 1993، الاعتراف بشرعية الجماعة على أساس أن دستور 1956، يحصن قرارات مجلس قيادة الثورة، ومنها قرار حل الجماعة في يناير وديسمبر من عام 1954. والغريب أن هذه القضية متداولة في القضاء الإداري حتى الآن، رغم مرور حوالي 20 عاما، رغم أن تقارير المفوضين، يقول: إن الإخوان لم يوفقوا أوضاعهم، كجمعية أو هيئة قبل ثورة يوليو أو بعدها. كما أن مقيم الدعوي المرشد الأسبق عمر التلمساني، غير ذي صفة، وهو نفس ما ذهب إليه تقرير المفوضين، في القضية المرفوعة أمام القضاء الإداري، لحل جمعية الإخوان، التي تم إشهارها وفقا لقانون الجمعيات الأهلية الجديد.
ويبدو أن كل تلك التحركات سواء الأمنية، أو الحملات الإعلامية، أو حتى استخدام القضاء، ليس جديدا على الإخوان، ولهذا كان رد فعلهم يتسم بالهدوء، على عكس المتوقع. باعتبار ذلك جزءا من المحن، التي واجهت الجماعة طوال تاريخها. وأكدت في بيان لها، أنها ليست كيان أو هيئة، ولكنها فكرة ومناهج عمل، ووصفت الحكم بأنه انتقائي، وانتقامي وذات صبغة سياسية، ولم يكن مفاجأة لها . فقد صدر من محكمة غير مختصة. كما أنه جاء بمنطوق أكثر مما طالب به رافعو الدعوة نفسها. كما أن الحكم لن يلغي الجماعة من الوجود، أو على أرض الواقع. خاصة أن تلك المحاولات بذلت منذ عام 1949 . بعد استشهاد المؤسس الشيخ حسن البنا.
وبعد ماذا سيفعل الإخوان تجاه تلك الأزمة؟ الأكثر حدة وخطورة على مدى تاريخهم. وأعتقد أن السوابق تتحدث عن مجموعة من البدائل. وهي:
أولا: السير في الإجراءات القضائية لاستئناف الحكم، خاصة أن مقيمي الدعوى رفعوها، ضد الحكومة ووزارة الداخلية. ليحرموا الإخوان من حق الاستئناف، باعتبارهم غير مختصين، وليسوا طرفا في الخصومة، مع عدم الاعتماد على إنصاف القضاء لهم، باعتبار أن هناك قضيتين أمام القضاء الإداري، ووفقا لتقرير المفوضين، فالأحكام لن تكون في صالحهم.
ثانيا: القيام بمراجعة شاملة لكل ما حدث، وتحديد المسؤوليات عن انهيار تجربة الإخوان في الحكم، سواء عبر البرلمان أو الرئاسة، في دولة مثل مصر. دون الركون إلى أنهم تعرضوا لمؤامرة محكمة، شارك فيها أطراف مصرية وإقليمية ودولية. لإجهاض تجربة حكم الإسلام السياسي سريعا، وإفشاله بهذا الشكل، الذي سيؤثر بالضرورة على مسار التحرك السياسي للجماعة.
ثالثا: تحديد موقف واضح من مجريات الأمور، باتجاه أما السير في استمرار المواجهة، مع الدولة وكل أجهزتها، خاصة الجيش، أو الدخول في مفاوضات، والوصول إلى صفقة سياسية ما، تقضي على سبيل المثال تخفيف القبضة الأمنية، والإفراج عن المعتقلين، خاصة أن التهم الموجه إليهم واهية، ويمكن تبرئتهم منها بسهولة. إذا تم عرض القضايا أمام محاكم، يملك قضاتها الحد الأدنى من الالتزام بالقانون وأحكامه.
رابعا: البعد ولو قليلا ولفترة محدودة قد تكون القادمة، عن المشاركة بجدية في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية. مما يخفف من عداء الدولة والأجهزة الأمنية. التي لن تسمح لأحد محسوب على الإسلام السياسي بالفوز. حتى ولو كان من التيار السلفي. عن طريق بتزوير الانتخابات. فما بالك بالإخوان المسلمين!! واستثمار تلك الفترة، في إعادة ترتيب البيت من الداخل، ومحاولة لم شمل الجماعة، وإفراز أجيال جديدة قادرة على القيادة.
ورب ضارة نافعة ....