


عدد المقالات 604
أعرف الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن قرب، أتابع مواقفه السياسية منذ أن وعيت على القضية الفلسطينية شابا، وأصبحت جزءا من تخصصي وعملي اليومي. فالتاريخ يؤكد أنه كان استثناء بين القيادات التاريخية لمنظمه التحرير الفلسطينية، بعد عام 1975 قاد تيارا محدودا داخل المنظمة، يدعو إلى فتح جسور الحوار مع شخصيات إسرائيلية من اليسار، كانت مع حل الدولتين، مع حقوق الشعب الفلسطيني، وتمت الاستجابة لهم، وأصبح من السياسات التي التزمت بها منظمة التحرير، رغم أن التيار دفع ثمنا باهظا لمواقفه، باغتيال بعض رموزه، وفي الانتفاضة الأولى والثانية، لم يخفِ الرجل تحفظه على تلك الآلية، والطريقة للنضال. مع يقين الجميع بمدى التفاوت بين قوة جيش الدفاع الإسرائيلية، والقدرات المحدودة للشباب الفلسطيني، الذي استخدم الحجر. ولكن أحدا لم يشكك في وطنيته، واعتبر ذلك اجتهادا يصيب ويخطأ. وأرصد دور أبومازن الوطني تجاه قضيه بلاده، وتحررها من الاحتلال الإسرائيلي، لا أخفي إعجابي بصموده، ومقاومته للضغوط التي يتعرض لها من حكام تل أبيب، الذين يتحكمون ليس في تحركات كل الفلسطينيين وحياتهم، بل أيضاً الرئيس نفسه، الذي يتوقع مع كل لحظة، أن يتم اغتياله من قبل قادة إسرائيل. ناهيك عن الضغوط الأميركية والأوروبية وأحيانا العربية. أدرك من خلال المتابعة الدقيقة للتطورات اليومية للقضية الفلسطينية، مدى خيبة الأمل الإسرائيلية، في محمود عباس بعد أن سعوا إلى إزاحة الرئيس الشهيد ياسر عرفات، بالقتل المادي بعد الاغتيال المعنوي، في إطار سياسة البحث عن شريك بمواصفاتهم في عملية السلام، وراهنوا في ذلك على محمود عباس، على أساس أنه الرجل الذي سيقبل بشروطهم، سيتنازل عن حقوق شعبه، في إقامة دولة مستقلة، على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمته القدس، ولكن مرور تلك السنوات، كان دليلا على القراءة الإسرائيلية الخاطئة لمواقف الرجل، ولعل عشرات الجولات من المفاوضات الثنائية، وبرعاية أميركية، ثبتت مدى قدرة الرجل وصموده، على مدى تمسكه بكل الحقوق الفلسطينية، رفضه للتنازل عن أي منها، فعادت النغمة من جديد، أن إسرائيل تفتقد شريكا لها في عملية السلام. وبدأت التهديدات العلنية بإمكانية اغتيال الرجل.
كان كل ما سبق مقدمة لما هو آت، فاسمح لي فخامة الرئيس محمود عباس، من منطلق المحب، أن أختلف معك بشكل جذري، في تلك التصريحات الصادمة، التي قلتها في الاجتماع الوزاري لمنظمة التعاون الإسلامي، التي أنهت أعمالها منذ حوالي أسبوعين في جدة، والتي انتقدت فيها عملية اختطاف، عدد من الشباب الإسرائيلي من المستوطنين، ولم تتوقف عند ذلك، بل دافعت عن التنسيق الأمني مع إسرائيل، وحديثك عن كارثية الانتفاضة الأولى والثانية، وأقول سيادة الرئيس إنها لم تكن موفقة، وجانبها الصواب، ودعنا نتوقف عند بعض الملاحظات حول تلك التصريحات:
أولا: أنها مثلت ضربة قاضية، وأنهت حالة التفاؤل، التي سادت ليس الأوساط الفلسطينية فقط، ولكن العربية بعد إتمام المصالحة، بين حركة حماس وفتح، خاصة أنها تتناقض مع تعهدات التزم بها الطرفان، في كثير من الاتفاقيات، التي وقعت بينهما، وأعتقد أنه إذا لم يتم تداركها واستيعابها سريعا، فستلقي بظلالها على مجمل الجهد، الذي تم بذله من أجل المصالحة، وتعود بالأمور إلى المربع رقم واحد، خاصة أنه لم يتم تنفيذ كل بنود المصالحة، سوى عملية تشكيل حكومة تكنوقراط فقط.
ثانيا: لم يكن من المناسبة على الإطلاق، إدانة الانتفاضة الأولى والثانية، فمهما كان تقييمك الشخصي لهما ولكنك رئيس لشعب، الأغلبية فيه تعتقد أن الكفاح المسلح أحد الوسائل في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، والصلف والتعنت الإسرائيلي، وأسلوب لنيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومثل هذه التصريحات تنهي الظهير الرسمي، ومن أعلى سلطة فلسطينية لمثل هذا الخيار، وكان الشهيد ياسر عرفات من أنصار مقولة: «إن المقاوم يعزز موقف المفاوض». فهو يوفر له سندا ودعما على مائدة المفاوضات.
ثالثا: تحدثت يا سيادة الرئيس عباس، عن اتخاذ السلطات الإسرائيلية لحادث الخطف مبررا للتنكيل بالشعب الفلسطيني، وأود أن أنشط ذاكرتك، لتقول لنا ما هي الفترة الزمنية التي توقفت فيها سياسات الحكومة الإسرائيلية مع تعددها وتنوع الشركاء فيها عن كل الممارسات التعسفية ضد الشعب الفلسطيني، من استمرار عمليات تهويد القدس، وبناء المستوطنات على أراضٍ فلسطينية، من اعتقالات إدارية، وبدون إبداء أسباب، وسياسة الاغتيالات، والحصار، إسرائيل يا سيادة الرئيس، لا تحتاج إلى ذريعة، أو سبب لتواصل ذلك، بل هي سياسة مستقرة ودائمة، هدفها إنهاء وجود الشعب الفلسطيني ذاته.
رابعا: وهذا هو المهم، لدي سؤال أعرف إجابته مسبقا وقد سمعته منك شخصيا، من عدة لقاءات حضرتها لكم، مع شخصيات من النخبة المصرية، في زياراتك العديدة لمصر بعد ثورة 25 يناير، ماذا عن حصيلة النضال عبر الطرق السلمية، من خلال طاولة المفاوضات، وهو الخيار المناسب والملائم لتوجهاتك السياسية، ماذا أثمر؟ لا شيء يا سيادة الرئيس، فقد نجحت إسرائيل في إدارة الصراع دون حله، ويكفي أن نتوقف عند ما تحقق عبر جولة المفاوضات الأخيرة، والتي استمرت تسعة أشهر، وبأقصى رعاية وتواجد ومشاركة من واشنطن، الأمور تراوح مكانها، بعد أن رفضت إسرائيل التنازل عن مواقفها، من مجرد الالتزام بصفقه الإفراج عن المجموعة الرابعة من الأسرى، أو وقف الاستيطان، فإذا كان الحال على ذلك المنوال، هل تعتقد أن هناك مسؤولا إسرائيليا سيملك الجرأة أو الإرادة السياسية، لوقف الاستيطان، أو اعتبار القدس عاصمة لدولتين. أشك في ذلك. المنطق يقول يا سيادة الرئيس: إنني عندما أدير صراعا مع عدو مثل الإسرائيليين، لا أستبعد أي خيار، وهناك في السياسة ما يسمى «الردع بالظن»، فمن المناسب أن نضع إسرائيل تحت ضغط إمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة ورابعة، إن لم يكن الآن فبعد سنوات، وإن لم يقم بها هذا الجيل، فذلك مهمة الأجيال القادمة.
خامسا: لم أفهم هذا الزهو بالتنسيق الأمني، بين السلطة وإسرائيل، الذي ظهر واضحا ومباشرا في حديثك، ولا أرى على الأرض أيا من فوائد ذلك التنسيق للمواطن الفلسطيني، هل تم تخفيف إجراءات التنقل؟ أو انتهت سياسات الاعتقال، لا شيء من ذلك، والمستفيد من هكذا تنسيق، هو أولا وأخيرا العدو الإسرائيلي.
وفي النهاية، أرجو أن يتسع صدرك لتلك الملاحظات الصادرة، كما قلت من محب، لشخصك الكريم، ومن أحد أبناء جيل ما زال يحلم مع كل الفلسطينيين والعرب والمسلمين بدولة مستقلة يعيش فيها الفلسطينيون، من دون خوف، وبدون احتلال، وبأمان وسلام، مثلهم مثل كل شعوب العالم.
usama.agag@yahoo.com •
لا أدري إذا كانت تصريحات المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، حول حقيقة ما جرى منذ هجوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر الغادر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل من العام الماضي، نوعاً من إبراء...
عندما يتعلق الأمر بحاضر ومستقبل أكثر من مائة وخمسين عربي في مصر والسودان، فنحن في حاجة إلى الاصطفاف والحذر، والحرص في التناول والتعامل أثناء التعامل مع ملف سد النهضة، وعندما تكون القضية تخصّ شريان الحياة،...
هاهي أميركا تجني ثمار ما زرعته في العراق، فبعد أكثر من 17 عاماً من غزوها العاصمة بغداد، تجد نفسها مجبرة على الدخول في حوار استراتيجي مع حكومة الكاظمي؛ للاتفاق حول شكل وحجم قواتها هناك، بعد...
إن أي مراقب محايد وحريص على التجربة الديمقراطية الوليدة في أعقاب أنجح نماذج الربيع العربي، لا بدّ أن يقرّ ويعترف بأن هناك أزمة حقيقية تعاني منها تونس، وبداية الحل في الاعتراف بوجودها، والاتفاق على آليات...
عندما يجتمع «الهوان» العربي، و»التخبّط» الفلسطيني، مع «الدعم» الأميركي، وموقف «إبراء الذمة» الأممي والأوروبي، فالنتيجة أن المشروع الإسرائيلي لضمّ 30% من الضفة الغربية -وهو قيد التنفيذ- في يوليو المقبل سيمرّ، وعلى الجميع أن يتنظر خطوة...
بكل المقاييس، فإن شهري يونيو ويوليو المقبلين هما الأخطر في مسار أزمة سد النهضة، وسيحددان طبيعة العلاقات المصرية السودانية من جهة، مع إثيوبيا من جهة أخرى، وكذلك مسار الأحداث في المنطقة، وفقاً للخيارات المحدودة والمتاحة...
أسباب عديدة يمكن من خلالها فهم الاهتمام الاستثنائي من جانب الكثيرين من المعلّقين والكتّاب -وأنا منهم- بقضية سدّ النهضة، والأزمة المحتدمة على هذا الصعيد بين مصر وإثيوبيا والسودان، ومنها أنها تتعلّق بحاضر ومستقبل شعبين عربيين،...
بعد عدة أشهر من استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبدالمهدي، كان الخيار الأول لمن يخلفه هو مصطفى الكاظمي رئيس الاستخبارات العراقية، ولكنه تحفّظ على قبول التكليف، ووسط عدم قبول كتل شيعية له؛ ولكنه أصبح...
المتابعة الدقيقة لمسيرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر تؤكد أن الرجل لم ولن يتغير؛ فقد ظهر بشكل كوميدي لأول مرة في فبراير 2014، داعياً الليبيين إلى التمرّد على المؤتمر الوطني العام المنتخب من قِبل الشعب الليبي،...
أزمات لبنان الحقيقية تبدأ وتنتهي عند المحاصصة السياسية والطائفية، يضاف إليها الرغبة في التسييس والتأزيم، مع تمترس كل طائفة وتيار وحزب سياسي وراء مواقفه، دون الرغبة في اللجوء إلى التسويات السياسية، أو لقاء الآخر عند...
لن تخرج الاحتمالات الخاصة بتمرير الحكومة العراقية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، عن هذه الاحتمالات؛ إما أن ينجح الرجل فيما فشل فيه سابقاه محمد توفيق علاوي وعدنان الزرفي، ويصل إلى التشكيلة المناسبة ليتم تمريرها عبر مجلس...
لا أسامح نفسي على إطراء شخصية مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولكنه يقع في إطار إقرار واقع وقراءة في مسيرة الرجل، الذي استطاع عبر سنوات طويلة، أن يستخدم أدواته بصورة جديدة، ليحتفظ بالموقع طوال...