موسوعة جينيس..!
05 أبريل 2014 , 12:00ص
من المؤكد أن القاضي المصري المستشار سعيد يوسف محمد، سيدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية بالحكم الذي أصدره بإحالة 528 متهما من قيادات الإخوان المسلمين إلى مفتي الديار المصرية، لإبداء الرأي الشرعي فيما هو منسوب لهم من تهم وجرائم قدرها القاضي بالإعدام. فمن المؤكد أنها قد تكون السابقة الأولى، ليس على مستوى القضاء في مصر فقط، ولكن في العالم، ونحن هنا لا نناقش الحكم، ولا نعلق عليه، ولكن نتحدث عن ردود أفعاله ومغزاه في السياق المصري العام، سياسيا وقضائيا، خاصة مع ضخامة العدد المطلوب إعدامه، بالإضافة إلى أنه الشق الأول من القضية، حيث تم تأجيل الحكم في الشق الثاني منه، ويصل عدد المتهمين فيه إلى 683، في مقدمتهم المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع إلى 28 أبريل الحالي، ومن المنتظر أن يزداد العدد على ضوء المقدمات والحكم السابق.
ولست من الذين يهونون من ذلك الحكم، فهو تعبير عن حالة عامة تسود الساحة المصرية على كافة المستويات السياسية والقضائية منذ أحداث 30 يونيو، أو على الأكثر منذ ثورة 25 يناير 2011. فالبعض يتعامل معه على اعتبار أنه حكم صادر من أول درجة، وهناك مستويات أخرى للطعن، سواء في الاستئناف أو النقض، ويمكن في أي من المستويات تخفيف الحكم أو إلغاؤه. ويذكر أصحاب هذا الاتجاه سوابق في ذلك المجال، منها الأحكام التي صدرت ضد فتيات الإسكندرية الطالبات في المرحلة الجامعية والثانوية بالسجن بتهمة التظاهر من 11 إلى 17 عاما. ولكن ذلك لن ينفي أن التاريخ القضائي سيسجل أن حكما هكذا صدر من محكمة مصرية. كما أن المخاوف من ضخامة العدد، تنبئ بأن الحكم قد يطول العشرات من الصادر بحقهم أحكام، فليس من المنطقي أن تتم إدانة كل هذا العدد وتكون النهاية الإفراج عنهم جميعا، وهو بهذه الصورة يثير عددا من النقاط:
أولا: لقد أشرنا إلى أنه العدد الأكبر على المستوى المصري والدولي الذي يتم الحكم عليه، بما يصل بالمسألة إلى اعتبارها إعداما جماعيا. والشيء بالشيء يذكر، ويكفي أن نرصد أنه في ظل أكبر المواجهات بين الدولة وجماعة الإخوان في عامي 1954 و1965، لم يصل حجم الأحكام إلى هذا المستوى، رغم أن تهمة الإخوان في الأولى كانت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر في حادث المنشية بالإسكندرية، وحكم بالإعدام على سبعة أشخاص منهم المرشد الأسبق حسن الهضيبي، ونفذ الحكم في ستة فقط، منهم عبدالقادر عودة، وتم تخفيفه على المرشد. ونفس العدد كان في قضية 1965، وكانت التهمة محاولة قلب نظام الحكم، فأصدرت المحكمة العسكرية حكمها على ستة بالإعدام وتم تنفيذ الحكم فيهم جميعا، ومن أشهرهم سيد قطب، بل إن الذين تم الحكم عليهم من تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية في العام 1981، لم يتجاوز ذلك الرقم أو أقل، رغم أن التهمة الموجهة لحوالي عشرين شخصا كانت اغتيال رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت الرئيس الأسبق محمد أنور السادات أثناء العرض العسكري. وكان من بين المتهمين ضباط ومنهم خالد الإسلامبولي وجنود وعدد من المدنيين. بل إن القضاء العسكري -وهناك خلاف حول محاكمة مدنيين أمامه- أصدر أحكاما في عشرات القضايا على مدى تاريخه، ولم تتجاوز أحكام الإعدام 106.
ثانيا: طبيعة التهم المنسوبة للمتهمين، فيجب أن نعترف بأن القانون المصري به حوالي 105 نصوص تشريعية تجرم أفعالا يحكم على المتهمين فيها بالإعدام، ولكن هذا لا يبرر ما حدث في محكمة جنايات المنيا بصعيد مصر، خاصة أنه وفقا لعدد من القانونيين، فقد شهدت القضية ما يتم تسميته بـ «شيوع الاتهام»، فليس من المعقول أن يكون 528 متهما قد قاموا جميعا بارتكاب جريمة قتل العقيد مصطفى رجب العطار نائب مأمور قسم الشرطة، أو الشروع في قتل أفراد شرطة آخرين، بالإضافة إلى جملة التهم الأخرى الخاصة بحرق مقر مركز الشرطة، والاستيلاء على أسلحة المركز، وتمكين عدد من المساجين من الهرب، بالإضافة إلى تكدير الأمن العام، وترويع المواطنين. فعدد من المتهمين نواب سابقون في البرلمان، وأطباء ومحامون، بل العجيب وفقا لما قالته هيئة الدفاع عن المتهمين، فإن المحاكمة شابها كثير من التجاوزات القانونية، ومنها أن الحكم صدر بعد ثلاث جلسات، وأخلت بحق الدفاع، وأغفلت طلب الرد والخصومة، ولم يعطِ القاضي الدفاع أي فرصة للاطلاع على القضية، ولم يفضّ الإحراز، كما أن جلسة النطق بالحكم انعقدت دون حضور المتهمين أو المحامين عنهم. والغريب أن القاضي نفسه -وكان رئيس دائرة بني سويف- كان قد حكم في يناير الماضي ببراءة كل المتهمين بقتل المتظاهرين في أثناء ثورة 25 يناير 2011، وهم مدير الأمن وثلاثة من معاونيه، و7 من ضباط المباحث. كما أن الحكم أعاد إلى الأذهان قصة «مهرجان البراءة»، الذي شمل كل المتهمين بقتل الثوار في ثورة يناير، ولم تتم إدانة أي من قيادات الأمن، وحصلوا على أحكام بالبراءة جميعا. بل إن الرئيس المخلوع حسني مبارك والدكتور محمد مرسي رغم الفارق الكبير بين التهم المنسوبة إليهما، ما زالا يحاكمان، والأول مر على محاكمته حوالي ثلاث سنوات دون أن تتم إدانته في أي تهمة وخرج منها بريئا ما عدا تهمة قتل المتظاهرين المنظورة أمام القضاء، وإمكانية البراءة واردة جدا، بعد أن تمت تبرئة كل رجال الأمن الذين سبق اتهامهم، وهم في هذه الحالة الأدوات المنفذة للجريمة.
ثالثا: لقد جاءت الأحكام في ظل ظروف سياسية ملتبسة، ففي نفس اليوم الذي صدر فيه حكم الإعدام الجماعي، تم الحكم على نائب مأمور قسم مصر الجديدة بالسجن 10 سنوات وسنة مع الإيقاف لـ3 ضباط آخرين، وإخلاء سبيل عدد آخر، في تهمة قتل 37 متهما أثناء ترحيلهم إلى سجن أبوزعبل، بعد أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، وهي جريمة بكل المقاييس ضد الإنسانية، ولكنها عرضت على القضاء على أنها جنحة وليست جناية وقتل خطأ، كما أن من الضروري فتح كل ملفات عمليات القتل التي تمت منذ يناير 2011 وحتى الآن، حيث وصل عدد القتلى إلى حوالي 5000 قتيل، ولم تتم محاسبة أحد على تلك الجرائم، ومن بينهم 3248 بعد أحداث 3 يوليو 2013، من المدنيين والعسكريين.
رابعا: كان من الطبيعي أن تكون ردود الأفعال على الحكم واسعة داخليا وخارجيا، من الخارجية الأميركية، من الاتحاد الأوروبي، من وزارة الخارجية البريطانية، من منظمات حقوق الإنسان في مصر، كما أن مصر ستلحق بالقائمة السوداء للدول الأسوأ في إصدار أحكام بالإعدام، وفي المقدمة منها الصين وإيران واليمن، والأهم في رأيي أن أكثر من نصف مليون حول العالم وقّعوا على عريضة بعنوان «أوقفوا الإعدام في مصر» والأرقام في تزايد!!
وفي النهاية، فإن الحكم هو صورة مصغرة -ولكنها تعبير حقيقي- لحجم المأساة المصرية، والاستهانة الشديدة بدماء المصريين، سواء في ذلك المواطنون العاديون، أو رجال الشرطة والأمن، والقوات المسلحة، فحرمة الدماء لا تفرق بين أحد!