alsharq

عبدالوهاب بدرخان

عدد المقالات 307

طاغية الشرق...

04 مارس 2013 , 12:00ص

كان الموقف الإسرائيلي حيال وفاة الأسير عرفات جرادات مطابقاً تماماً للوصف الذي أطلقه رئيس الوزراء التركي على «الصهيونية». اتسم ذلك الموقف بكل شيء إلا بالإنسانية. وباستثناء قلّة من الكتّاب غير المهووسين، امتثل الإعلام العبري كالعادة للذهنية الحكومية السائدة، إذ انطلق من علامتي استفهام وتعجّب مضمرتين: منذ متى كان موت فلسطيني يثير كل هذا الاحتجاج؟! ما يعني، استطراداً، أنه ليس إنساناً، وأن المصير الوحيد المعترف به -صهيونياً- للفلسطيني هو الموت وليس الحياة، هو ألا يكون موجوداً أصلاً. فحتى الإقدام على أسره واحتجازه رهينةً لا يشكل اعترافاً بإنسانيته، وإنما ترخيصاً لقتله. كل ما اهتم به بنيامين نتنياهو أن لا يكون الغضب في الشارع الفلسطيني بداية «انتفاضة». لم يكترث لوفاة معتقل تحت التعذيب. سارع إلى رشو السلطة بأموالها التي كان قرصنها، آملاً بأن تعمل على «التهدئة»، ولم يسارع إلى إنهاء الأوضاع اللاقانونية التي تدفع بالأسرى إلى الإضراب عن الطعام، إلى ملامسة الموت مثل سامر العيساوي دفعاً للمذلة. لم يخطر في بال نتنياهو إطلاقاً أنه إزاء مجتمع فلسطيني لديه الكثير من أسباب النقمة والسخط، لكن نقمته ورفضه الأعظمين يبقيان ضد الاحتلال وطغمته. هذا مجتمع تعرّض نحو مليون من أبنائه، طوال معاناته المستمرّة، للأسر على أيدي عصابات سرقت أرضه وهدمت بيوته وقصفت مدارسه وأحرقت مساجده واقتلعت زرعه وانتهكت براءة أطفاله. هذا مجتمع أرهقته عدوانية العالم الذي قلب مفاهيمه ليبرر الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الإسرائيليون ضدّه سواء قاوم أو سالم. كان الأحرى أن يلتفت نتنياهو أولاً إلى الوضع الفاسد الموبوء الذي بات عليه أجهزته. كان عليه أن ينشغل بالانحطاط المزمن في أوضاع «دولة القانون» و «الديمقراطية الوحيدة في الشرق» اللتين تدّعيهما إسرائيل لنفسها. لكن واقع الشرق منذ سبعة عقود ينبئ بأنها رائدة طغاة الشرق، والكيان المؤسس للظلم والاستبداد، للعنصرية واحتقار إنسانية الإنسان وديس القوانين. فالطغيان الإسرائيلي الذي قام على اغتصاب الأرض والتسلط على شعب والتحكم بعيشه ومصيره كان ولا يزال النموذج الذي أسهم في صنع كل نماذج الطغيان التي ترعرعت في المنطقة منذ غداة استقلال دولها. إذ رأى الحكام الجدد، آنذاك، كيف أن المجتمع الدولي كافأ الإسرائيليين على المجازر والتشريد والاستيلاء على أرض الغير بالقوة فمنحهم «دولة»، وكيف أنه أضفى على هذه الدولة «شرعية دولية» ما لبثت أن استخدمتها لتخالف كل القوانين الدولية. كثيرون يرون اليوم تشابهاً بين جرائم إسرائيل وجرائم النظام السوري، غير أن التلميذ ذهب في التفنن في القتل أبعد من معلمه الإسرائيلي، إذ يستخدم أسلحة الدمار الشامل لدكّ مدنه ولإيقاع أكبر الخسائر وأفدحها في صفوف من يُفترض أنهم أبناء شعبه. ما الفارق بين قتل أسير بالتعذيب في السجن الإسرائيلي وبين إفلات قطعان المستوطنين ليعتدوا على المزارعين أو ليدنسوا حرمة المسجد الأقصى. وما الفارق بين اعتقال عشرات الآلاف من السوريين وقتل العديد منهم بالتعذيب وبين إفلات «الشبيحة» ليدمروا ويحرقوا وينهبوا وينكّلوا بالناس وينتهكوا الأعراض. فالعدو المحتل، والحاكم المستبد، وجهان لظاهرة واحدة بعناوين عدة: الظلم والاستبداد وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. كلا النموذجين يريد أن يبقى ويستمر، كلاهما يعتقد أنه واجب الوجود، المحتل الذي يصوّر احتلاله وكأنه نعمة لمن يستعمرهم، والحاكم الأرعن الذي يروّج لنفسه أنه الوسيلة الفضلى لمناهضة التطرف ومكافحة الإرهاب. حتى لو قامت مئة ثورة وانتفاضة في الشرق فإن «الربيع» لن يزهر ديمقراطية طالما أن الحال الإسرائيلية قائمة ومستمرة، باعتبارها حال استبداد محمي أميركياً، وحال تسميم دائم للحكام والمجتمعات، بل حالاً سرطانية في قلب المنطقة، ولا يمكن علاج الأمراض التي تعانيها بقية البلدان والشعوب بتجاهل هذا السرطان أو بترك إفرازاته تستشري في الجوار. كيف يتوقع المجتمع الدولي أن تنشأ في دول «الربيع العربي» أنظمة تحترم القانون وحقوق الإنسان، فيما هو يحتضن إسرائيل التي تحتقر كل الحقوق والقوانين. فهذه دولة وجدت أساساً لتسويغ الاحتلال بصفته أسوأ أنواع الظلم. وهذه دولة امتهنت احتجاز الرهائن لحماية مسروقاتها ولابتزاز الشعب الواقع تحت الاحتلال. بل هذه الدولة وصفة دائمة لإعادة إنتاج الأنظمة الفاسدة. كان حُكم رجب طيب أردوغان على الصهيونية مخففاً، لأنها على النحو الذي تطبقه إسرائيل بممارساتها تمثل خلاصة لأسوأ ما في النازية الهتلرية والفاشية الموسولينية. ماذا يعني العالم إذا كانت الصهيونية، كما هي في بطون الكتب، عقيدة فكرية إنسانية، ألم تكن أدبيات الشيوعية والاشتراكية هكذا أيضاً لكن ترجمتهما العملية أحطّت بالإنسان وقيمته. وماذا يعني العالم إذا كانت الصهيونية «هي الحركة الوطنية للشعب اليهودي» والمعبّرة عن «حقّه في تقرير مصيره» (كما يقول الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية ردّاً على أردوغان)، إذ تأتي مباشرة هذا «الحق» على حساب شعب آخر لم يسئ تاريخياً لليهود ولم يرتكب محرقة بحقهم ولم يطردهم من بيوتهم ولم يسلب أرضهم. كائناً ما يكون الرأي بالصهيونية فإنه لا يبرّئ إسرائيل من جرائمها. كانت المفارقة أن أردوغان المنحدر من «رجل الشرق المريض» (تركيا) هو الذي يدين الصهيونية التي صنعت إسرائيل «طاغية الشرق». هذا يذّكر العرب بأن قرنهم العشرين راح بدداً بين انهيار العثمانيين وصعود الصهيونيين.

ليبيا في لجّة نظام دولي «متضعضع تماماً»

لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...

«ضمّ الأراضي» كجريمة يقاومها العالم بالكلام

في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...

صدمة بولتون: ترمب أقلّ تطرّفاً مما ظنّه!

هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...

إزالة «التماثيل» بين تصحيح الحاضر ومراجعة التاريخ

فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...

هل تحتمل أميركا والعالم ولاية ثانية لترمب؟

لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...

تغطية عربية للسطو الإسرائيلي على الضفة

ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...

مسلسل واقعي من خارج السباق الرمضاني

وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...

بين واشنطن وإسرائيل مجرّد تصويب للأولويات

لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...

خيار الكاظمي بالعراق في مسار صعب وواعد

مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...

ما بعد «كورونا».. هل هو فرصة لمنطق الطغيان؟

السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...

في انتظار اللقاح.. أي دروس من الجائحة؟

ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...

بين فيروسات وبائية وفيروسات سياسية

لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...