الطريق المسدود..!!
04 يناير 2014 , 12:00ص
ها هو التاريخ يعيد نفسه، والوقائع تتكرر، دون أن يستفيد أحد من وقائعها، دون أن يتوقف أحد للتفكير، من خارج الصندوق، في آليات مختلفة لإعادة الهدوء والاستقرار لمصر، والذي غاب عنها منذ 25 يناير، ولكنه ظل في إطار اللعبة السياسية، ولكن الأمر اختلف تماماً بعد أحداث 30 يونيه. وأتذكر أنني كتبت في سبتمبر الماضي مقالا بعنوان استنساخ التاريخ، بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال وزير الداخلية المصري محمد إبراهيم، رصدت فيه تجربة المواجهات بين أجهزة الدولة وبين جماعة الإخوان المسلمين، وخروج جماعات تنتهج العنف والإرهاب في مواجهة بطش الدولة وقبضتها الحديدية، وغياب الرؤى السياسية لحل الأزمات، اعتمادا على قدرة الأجهزة الأمنية، وحذرت من عودة عمليات الإرهاب التي عانت منها مصر في السبعينيات والثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ولم تتوقف سوى بعد المراجعات الفكرية التي قام بها عدد من رموز الجماعة الإسلامية والجهاد، والإفراج عن المئات منهم بعد انقضاء مدة العقوبة واستمرارهم خلف القضبان تنفيذا لقانون الطوارئ، عاشت بعدها مصر فترة من الهدوء والاستقرار بعد أن ترك نظام مبارك -رغم كل جرائمه- طاقة لعمل الإخوان المسلمين سمحت لهم بالمشاركة السياسية عبر الانتخابات في إطار مساحة حددتها الدولة. فكانوا أعضاء في مجلس الشعب، وسيطروا على النقابات المهنية بالانتخابات، كما خلق لنفسه خطا أحمر وهميا، يستثني المرشد العام من الاعتقال، رغم أن الاعتقالات الموسمية طالت نائب المرشد مثل خيرت الشاطر وغيره من القيادات على مدى 30 عاما.
وجاء النظام بعد 30 يونيه، برؤية استقصائية، تحاول اجتثاث الإخوان المسلمين واستبعادهم من كل المشهد السياسي. فرفض النظام كل محاولات المصالحة التي سعت إليها العديد من الجهات الدولية والإقليمية، أو المبادرات التي طرحتها شخصيات مصرية مختلفة، رافعا شعار أنه لا صلح مع من تلطخت أيديهم بالدماء، وهي قولة حق يراد بها باطل، فليس هناك حكم صريح بتورط الإخوان في أي من الدماء التي سالت منذ 30 يونيه، بل العكس فإن الأجهزة الأمنية هي من تورطت في العديد من الأحداث الدموية خلال الأشهر الماضية. والغريب في الأمر، أن النظام كان متمسكا بموقف الإقصاء من خلال حملة اعتقالات واسعة طالت الآلاف من قيادات الصف الأول، وصل إلى كل مكتب الإرشاد المتواجد في مصر، والثاني وحتى الشباب، وعدد من المسؤولين في المؤسسة التشريعية والتنفيذية، ناهيك عن قيادات جامعية وطلبة وشباب من مختلف الاتجاهات، ناهيك عن إلصاق تهم ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها التحريض عن القتل، والاعتداء على قوات الأمن وتكدير السلم العام، ووصلت إلى الاتهام بالتخابر والتجسس الموجه للعشرات وفي مقدمتهم الدكتور محمد مرسي، في سابقة هي الأولى من نوعها التي توجه إلى رئيس مصري. ناهيك عن اتهام باقتحام السجون، والإفراج عن المعتقلين، كما تم تجميد أموال أكثر من 150 من قيادات الجماعة دون حكم قضائي، كما تم تجميد عمل أكثر من جمعية أهلية قيل إنها مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين دون أي اعتبار للملايين المستفيدين من هذه الجمعيات وخدماتها في كثير من المجالات الصحية، والمساعدات العينية والرواتب الشهرية، وكما فكرت الدولة في السيطرة على المدارس ذات الطابع الإسلامي، وهي ملكية خاصة، تحت ذريعة أنها ملك لقيادات إخوانية رغم عدم صحة ذلك، واكتشفت وزارة التربية والتعليم أنها لا تستطيع القيام بمثل هذه الخطوة نظرا لعدم وجود ما يثبت أنها ملكية لقيادات إخوانية، كما أن السيطرة عليها تحتاج أكثر من 3 مليارات جنيه مصري. وكان آخر "جراب الحاوي الحكومي" الخروج بقرار اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، رغم أن رئيس الوزراء المصري، كان قد تحفظ على ذلك منذ أقل من شهر لعدم وجود حكم قضائي، وهو ما لم يتم حتى الآن. ورغم ذلك اتخذت الحكومة القرار دون أي سند قانوني تحت ضغط إعلام يزرع الكراهية، وينشر مظاهر جديدة على المجتمع المصري، منها التطهير العرقي. ويروج لمفاهيم الانتقام، ويرحب بالاعتداءات على منازل ومكاتب ومحلات الإخوان المسلمين وتبرير قتلهم. كما أن القرار وجد معارضة خارجية واضحة من العديد من دول العالم، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا، ليس لأنهم من داعمي الإخوان، أو المدافعين عنهم، ولكنهم أكثر إدراكا بخطورة القرار على خلق حالة من الانسداد السياسي في مصر والدخول في حالة من عدم الاستقرار.
وينسى هؤلاء التصريحات التي قيلت في بداية أحداث 30 يونيه، وبررت أسباب إزاحة مرسي بأنه كان يتجه بالبلد إلى الحرب الأهلية، وعلينا أن نرصد الآن ما يحدث في مصر، لنكتشف بسهولة أن الأحداث تسير في هذا الاتجاه، رغم مرور حوالي ستة أشهر كاملة، شهدت فيها مصر أحداثا غير مسبوقة على مدى تاريخها: أعداد من القتلى بالمئات من الجانبين الأمن والقوات المسلحة والمنتمين إلى تيارات سياسية بعينها، والذين ينظرون إلى الأمور بعين واحدة يتوقفون عند العمليات الإرهابية التي شاهدتها مصر منذ 30 يونيه، ومنها مقتل 17 من الشرطة والجيش في العريش ومحافظة شمال سيناء في 16 أغسطس، وبعدها بثلاثة أيام تم استهداف 25 مجندا من الأمن المركزي بالعريش. ونجاة وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم من محاولة اغتيال في 5 سبتمبر. مع مقتل أربعة في انفجار أمام مديرية أمن سيناء في 7 أكتوبر، وإطلاق قذيفة آر بي جي في جنوب القاهرة، واستهداف أربعة جنود في سيناء، وفي 20 نوفمبر تم قتل 11 جنديا في تفجير استهدف أتوبيس للجيش، وتم اغتيال محمد مبروك مسؤول ملف الجماعات الإسلامية في الأمن الوطني، وضابط أمن من العمليات الخاصة، وانفجار عبوة ناسفة أمام بوابة معسكر للأمن المركزي في الإسماعيلية، أما على الجانب الآخر، فقد سقط أعداد مختلف عليها في فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة، وفي أحداث الحرس الجمهوري والمنصة ومسجد الفتح في ميدان رمسيس، وسقط العشرات في المظاهرات التي تخرج بصفة شبه يومية. ناهيك عن آلاف الإصابات. أما المعتقلون فالأعداد غير محددة، والخطير هو حالة الاحتراب الداخلي نتيجة حملات الشيطنة التي تقوم بها أجهزة إعلام الدولة والدعوات غير المسؤولة من الإعلام لعمليات الاستئصال لأي منتمٍ للإخوان المسلمين، والتي وصلت إلى حد التهجير القسري والاعتداءات على المحال والبيوت الخاصة بهم، رغم غياب الأدلة عن تورط الإخوان أو أي من أحزاب دعم الشرعية في كل الأعمال الإرهابية التي تشهدها مصر مؤخراً.
وهكذا تسير الأمور في مصر، في اتجاه حالة عدم الاستقرار، واستمرار حالة التأزم السياسي، خاصة أن تجارب التاريخ أكدت أن كل الأنظمة التي حاولت إقصاء الإخوان واستئصالهم لم تنجح.