


عدد المقالات 223
ثمة لحظة تختبر فيها الكوارث معنى التضامن أكثر مما تختبر قدرة الدول على التعبير عنه. حين يضرب زلزال مدينة، أو تحاصر الحرب ملايين المدنيين، أو تلتهم الحرائق مساحات واسعة، يصبح الفارق كبيراً بين التعاطف والاستجابة. الأول موقف إنساني، والثانية قدرة على الوصول: طائرة تقلع، وفريق إنقاذ يتحرك، ومستشفى ميداني يُجهز، وشاحنة تعبر، ودواء يصل إلى مريض ينتظره.
في التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يستعيد العالم هذه المعاني في اليوم العالمي للعمل الإنساني. وقد نشأ هذا اليوم من واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ العمل الإنساني الحديث، عقب تفجير مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد في 19 أغسطس 2003، الذي أودى بحياة 22 من العاملين في المجال الإنساني. ومنذ ذلك الوقت، أصبح اليوم مناسبة لتكريم من يعملون في الخطوط الأمامية للأزمات، ولتذكير العالم بمسؤوليته تجاه المتضررين منها.
هذا العام تأتي المناسبة في وقت يواجه فيه النظام الإنساني الدولي ضغوطاً شديدة. الاحتياجات تتسع، والتمويل يواجه تحديات متزايدة، والوصول إلى المدنيين أصبح أكثر صعوبة في كثير من مناطق النزاع، فيما يدفع العاملون في المجال الإنساني ثمناً متصاعداً لأداء مهمتهم. وفي قلب هذا المشهد تبرز قيمة الدول التي بنت للاستجابة الإنسانية قدرة مؤسسية مستمرة، وجعلت التضامن فعلاً قابلاً للتحرك عندما تقع الأزمة.
خريطة واسعة من الاستجابات
من هنا يمكن قراءة الرسالة التي نشرتها سعادة الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزيرة الدولة للتعاون الدولي، بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، والتي أكدت فيها أن دولة قطر تواصل جهودها في الاستجابة للأزمات والكوارث حول العالم ودعم المتضررين، انطلاقاً من التزامها الراسخ بالتضامن والعمل الإنساني، وراء هذه الكلمات خريطة واسعة من الاستجابات.
في غزة، أخذت المساعدات القطرية خلال عامي 2025 و2026 مسارات متعددة، امتدت من الغذاء والإيواء إلى الوقود والنقل والإمدادات الطبية. وتشير أحدث البيانات المنشورة إلى 119 طائرة عسكرية حملت مساعدات إنسانية وإمدادات إغاثية عبر الجسرين الجوي والعسكري، و1500 شاحنة مساعدات برية، و368 ألف سلة غذائية وزعت على الأسر المحتاجة، إلى جانب مئة ألف خيمة إغاثية و33.5 مليون لتر من الوقود.
وحين توضع هذه الأرقام بجوار بعضها، تظهر طبيعة الأزمة التي تحاول الاستجابة التعامل معها. فالإنسان الذي يعيش وسط الحرب يحتاج في الوقت نفسه إلى غذاء ومأوى ودواء وطاقة وماء ووسيلة تحفظ الحد الأدنى من شروط الحياة. ومن هنا جاءت الاستجابة عبر مسارات متوازية، لأن الأزمات الممتدة تفرض عملاً يتجاوز فكرة الشحنة الإغاثية المنفردة إلى سلسلة متصلة من الإمداد.
مساعدات إلى السودان وسوريا
وفي السودان، أخذ الدعم القطري مساراً آخر يتناسب مع طبيعة الاحتياجات. ففي فبراير الماضي أُرسلت منحة طبية عبر صندوق قطر للتنمية والهلال الأحمر القطري لتوفير أدوية الطوارئ والأدوية المنقذة للحياة، مع تقديرات بوصول أثرها إلى نحو نصف مليون شخص في 12 ولاية سودانية. أما في سوريا، فقد اتسع مفهوم المساعدة إلى الحفاظ على قدرة الخدمات الأساسية على الاستمرار. فقد شارك صندوق قطر للتنمية مع الصندوق السعودي للتنمية، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مبادرة بقيمة 89 مليون دولار لدعم استمرارية الخدمات العامة عبر المساهمة في رواتب العاملين في القطاعات الأساسية لمدة ثلاثة أشهر. وفي قطاع الطاقة، امتد الدعم القطري إلى المساهمة في تعزيز إمدادات الكهرباء، بما ينعكس مباشرة على المستشفيات والمدارس والمرافق العامة وحياة الناس اليومية.
هذه النقطة تستحق التوقف عندها. فهناك فارق بين إنقاذ الإنسان من الخطر في ساعاته الأولى، ومساعدته على استعادة حياته بعد انحسار تلك الساعات. العمل الإنساني الفعال يتحرك بين الاثنين: إغاثة تحمي الحياة في لحظة الخطر، ودعم يساعد المجتمع على الاحتفاظ بقدرته على الوقوف من جديد، وتظهر هذه القدرة بصورة أكثر وضوحاً عندما تكون الكارثة مفاجئة ويصبح الزمن نفسه عاملاً حاسماً.
فنزويلا ولبنان وأفغانستان
حين تعرضت فنزويلا لزلزالين في يونيو الماضي، أطلقت قطر جسراً جوياً حمل فريقاً من مجموعة البحث والإنقاذ القطرية الدولية التابعة لقوة الأمن الداخلي “لخويا”، يضم متخصصين معتمدين دولياً في البحث والإنقاذ وطواقم طبية ومستشفى ميدانياً ومعدات متقدمة. وفي إسبانيا، ومع اندلاع حرائق الغابات، توجه فريق قطري يضم 129 متخصصاً في مكافحة الحرائق والدعم الفني واللوجستي.
هنا تظهر إحدى السمات المهمة في التجربة القطرية: العمل الإنساني أصبح قدرة تشغيلية، وليس تمويلاً فقط. هناك كوادر، ومعدات، وطائرات، ومستشفيات ميدانية، وفرق بحث وإنقاذ قادرة على الانتقال من الدوحة إلى منطقة منكوبة خلال وقت قصير.
وهذه القدرة تفسر اتساع الجغرافيا التي تصل إليها الاستجابة. من غزة والسودان وسوريا ولبنان إلى أفغانستان وفنزويلا وإسبانيا، تختلف اللغة والثقافة والسياسة، ويختلف معها نوع الكارثة. يبقى الإنسان هو نقطة الالتقاء.
في لبنان، وصلت في أبريل الماضي طائرة قطرية تحمل أكثر من مئة طن من المستلزمات الطبية والأدوية وحقائب الإسعافات الأولية للطوارئ، مقدمة من وزارة الصحة وصندوق قطر للتنمية. وفي أفغانستان، أعقبت الزلزال المدمر في سبتمبر 2025 استجابة شملت جسراً جوياً وفرق بحث وإنقاذ ومستشفى ميدانياً ومساعدات غذائية وطبية وإيوائية.
وإذا كان الوجه الأكثر ظهوراً للعمل الإنساني هو ما يصل إلى الميدان، فإن هناك وجهاً آخر أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً على المدى الطويل: تمويل البنية الدولية التي تجعل الاستجابة ممكنة أصلاً.
ودولة قطر جاءت ضمن أكبر خمسة مانحين للمساعدات الإنسانية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025. ومنذ عام 2013 وحتى أكتوبر 2025، بلغ دعمها للميزانية العامة والمساهمات الأساسية لوكالات الأمم المتحدة ومكاتبها الإقليمية ومبادراتها نحو 1.9 مليار دولار. كما قدمت دعماً متعدد السنوات للموارد الأساسية لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بقيمة 88 مليون دولار للفترة من 2017 إلى 2026، وتجاوز مجموع مساهماتها في الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ 22 مليون دولار.
قيمة هذا النوع من التمويل تكمن في الاستمرارية. الكارثة بطبيعتها مفاجئة، بينما الاستعداد لها يجب أن يسبقها. وكل منظومة إنسانية تحتاج إلى موارد مستقرة حتى تستطيع التحرك حين تكون الساعات محسوبة بالأرواح.
ومع ذلك، تبقى المساعدات جزءاً من معادلة أكبر. فالشحنة التي تنتظر عند الحدود تحتاج إلى ممر آمن، والعامل الإنساني يحتاج إلى حماية، والمدني المحاصر يحتاج إلى اتفاق يسمح بوصول الإغاثة إليه. وهنا تلتقي الخبرة الإنسانية القطرية بخبرتها في الوساطة والدبلوماسية.
الدبلوماسية الإنسانية
خلال السنوات الماضية، اتسعت مساحة «الدبلوماسية الإنسانية» في السياسة الخارجية القطرية، من العمل على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين إلى تسهيل وصول المساعدات وإبقاء القنوات مفتوحة بين الأطراف. وفي مناطق النزاع تحديداً، قد تكون القدرة على فتح ممر إنساني أو إدخال شحنة دواء ثمرة لمسار سياسي معقد سبق وصول الطائرة والشاحنة.
وتتصل بذلك قضية حماية من يحملون هذه المساعدات. ففي سبتمبر 2025 وقعت دولة قطر على «إعلان حماية العاملين في المجال الإنساني» الذي تبنته أكثر من مئة دولة، والهادف إلى تعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتوفير حماية أكبر للعاملين في مناطق النزاعات. كما شاركت قطر في المبادرة العالمية التي تقودها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وتتولى دوراً ضمن مسارها المعني بالعلاقة بين القانون الإنساني والسلام.
وهذه ليست مسألة قانونية بعيدة عن حياة الناس. حين يصبح الطبيب أو المسعف أو سائق شاحنة الإغاثة هدفاً، تتوقف المساعدة عنده ويصل أثر الخطر إلى آلاف الأشخاص خلفه. حماية العامل الإنساني هي في النهاية حماية للطريق الذي يصل عبره الغذاء والدواء إلى المدنيين. لهذا يحمل شعار من أجل الإنسانية معنى أكبر من مناسبة سنوية. إنه يضع معياراً بسيطاً وصعباً في آن واحد: ماذا يحدث بعد وقوع الكارثة؟
بالنسبة إلى قطر، يمكن العثور على جزء من الإجابة في طائرة تتجه إلى غزة، وشاحنة تعبر إلى منطقة منكوبة، وفريق إنقاذ يصل إلى قارة أخرى، ودواء يجد طريقه إلى مستشفى في السودان، وكهرباء تساعد مرفقاً عاماً في سوريا على الاستمرار، وتمويل يتيح لمنظمة إنسانية أن تكون جاهزة للأزمة المقبلة.
وقد تكون أهم قيمة في هذا كله أن العمل الإنساني يعيد ترتيب المسافات. فحين تكون حياة الإنسان هي المعيار، تصبح الجغرافيا أقل أهمية، وتتحول القدرة على الوصول في الوقت المناسب إلى إحدى أكثر صور التضامن صدقاً.
العالم يملك ما يكفي من الكلمات لوصف المآسي. ما يحتاجه أكثر هو من يستطيع الوصول حين تقع.
@FalehalhajeriQa
في أيام العزاء، لم تكن الدوحة تستقبل وفودا جاءت لأداء واجب رسمي عابر؛ كانت تستقبل شهادات حيّة على مكانة رجل امتد أثره من وطنه الصغير في الجغرافيا إلى دوائر واسعة من العالم. تعاقب الملوك والرؤساء...
نعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والذي وافته المنية صباح أمس الأحد، السابع والعشرين من المحرم 1448هـ، الموافق الثاني عشر من...
جاء حضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان لي بان الفرنسية، في لحظة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد على نحو مباشر. فالشرق الأوسط يقف أمام...
في عالم كرة القدم، تصنع الثواني الأخيرة ذاكرة الشعوب، وتمنح المباريات معناها الأعمق حين تتحول من مجرد اختبار كروي عابر إلى درس بليغ في الشخصية والصمود، ومن نتيجة رقمية على الشاشة إلى علامة فارقة في...
تدخل دولة قطر كأس العالم 2026 وهي تحمل رصيداً مختلفاً عن معظم المنتخبات العالمية المشاركة. فهي ليست دولة تأهل منتخبها إلى البطولة للمرة الثانية في تاريخه، وليست بطلة آسيا في نسختين متتاليتين فحسب، وإنما دولة...
تسطر دولة قطر اليوم فصلا جديدا من فصول تميزها الإعلامي، معلنة عن تدشين قناة QBC الاقتصادية كذراع إعلامي استراتيجي يتبع المؤسسة القطرية للإعلام. يمثل هذا الصرح الجديد قفزة نوعية في صناعة المحتوى المتخصص، وتجسيدا حيا...
لحظات التحولات الكبرى والأزمات الإقليمية، تكشف حقيقة الدول وقدرتها على إدارة التحديات. فالأزمات لا تختبر القدرات العسكرية والاقتصادية فحسب، وإنما تختبر أيضا تماسك المجتمع، ووضوح الرؤية السياسية، وكفاءة المؤسسات. وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية...
دخلت قطر الأيام الماضية على إيقاع تصعيد إقليمي واسع، تمددت ارتداداته إلى أجوائها ومحيط منشآتها الحيوية. ومع أولى المقذوفات التي استهدفت المجال الجوي للدولة، صدر بيان وزارة الدفاع مؤكدا نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض...
حين تتسارع الأخبار في الإقليم، يصبح معيار الثقة هو ما يراه الناس على أرضهم وما يسمعونه من جهاتهم الرسمية. في هذا السياق أكدت وزارة الداخلية أن الأوضاع داخل دولة قطر مستقرة وآمنة، وأن المؤشرات الأمنية...
مع أول ليلة من رمضان، يشعر الإنسان أن شيئا داخله يعاد ترتيبه بهدوء. كأن هذا الشهر لا يأتي ليغير جدول الحياة، وإنما ليعيد ترتيب القلب نفسه. رمضان ليس زمنا إضافيا في التقويم، وإنما زمن يعود...
في مسار بناء الدول الحديثة، تتقدم بعض الدول بخطوات ثابتة لأنها تدرك أن الثروة الحقيقية تكمن في الإنسان، لا في الموارد وحدها. ضمن هذا الإطار، تشكل جائزة قطر للتميّز العلمي أحد أبرز تجليات الفلسفة التنموية...
جاءت تزكية سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيسا للمجلس الأولمبي الآسيوي تتويجا لمسار طويل من العمل الرياضي المؤسسي، ورسالة واضحة من القارة الآسيوية بأن القيادة في هذه المرحلة تُمنح لمن راكم التجربة، وصنع...