الإخوان ماذا هم فاعلون؟ (1-2)
03 أكتوبر 2013 , 12:00ص
الحكم الصادر من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، بحظر أنشطة جمعية الإخوان المسلمين في مصر، والجماعة المنبثقة عنها، مثل للمراقبين حلقة جديدة من حلقات المواجهة بين الانقلاب وحكومته وبين الإخوان المسلمين. الذي اتخذ أشكالا مختلفة خلال الأشهر القليلة الماضية، وفي المقدمة منها المواجهة بالإعلام، وهي الأقدم, فلم تتوقف طوال سنوات طويلة، عبر عهود متباينة، وأنظمة مختلفة، فالعداء الإعلامي «وشيطنة الجماعة» بدأ واستمر منذ إنشائها، وقد زادت معدلاته فقط في الآونة الأخيرة بعد ثورة 25 يناير. وارتفعت بعد وصول أول رئيس منتخب عبر صناديق الاقتراع، لا ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، من الإخوان المسلمين, وهو الدكتور محمد مرسي، وفوز حزب الحرية والعدالة بالأكثرية في مجلسي الشعب والشورى. مما استنفر كل أركان الدولة العميقة في مصر. واستثمرت نفوذها وقوتها وسيطرتها على الإعلام الخاص والعام، في حملات منظمة ومدروسة، وأضيف إليها بعد الانقلاب اتهامات تم استدعاؤها من التاريخ، حول ممارسة الإرهاب، وترويع الآمنين وتحميلها كل أزمات مصر.
ولعل المواجهة بالأمن هي الأسلوب القديم المتجدد بين سلطة الانقلاب وبين الجماعة. فلم تمر سوى أيام على فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة حتى أصبحت كل القيادات، حتى تلك التي تولت مناصب وزارية أو في رئاسة الجمهورية، متهمين بالتخابر، والتحريض على العنف، ومقاومة السلطات. وكانت النيابة العامة جاهزة تماماً لإصدار أوامر ضبط وإحضار لها، وساعد فرض حالة الطوارئ في خلق المناخ المواتي لبدء حركة اعتقالات واسعة دون وجود تهم، وبعدها يمكن التفكير في خلقها، وهو ما حدث مع الرئيس محمد مرسي نفسه، الذي تم احتجازه قسرا دون تحديد مكان الاحتجاز، هو وعدد من مساعديه. وبعد الضغوط الدولية للإفراج عنه، وجه له قاضي التحقيق جملة من التهم, منها التخابر مع حماس، وقتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية، وقائمة أخرى. وهو ما حدث أيضاً مع قيادات أخرى، ومنهم المرشد العام السابق والحالي، وظهرت تهم منها إهانة القضاء، والتحريض على قتل المتظاهرين أمام مقر الإخوان المسلمين، رغم أن المقر هو الذي تمت مهاجمته، وأعلنت وزارة الداخلية على رؤوس الأشهاد أنها لن تحميه، مما شكل دعوة صريحة لمن يريد مهاجمته، ودفع عددا من شباب الجماعة للدفاع عنه.
وتعددت التهم الموجهة إلى قيادات الإخوان، ومنها تكوين عصابة تعمل على خلاف القانون، واختطاف ضابط ومساعد شرطة في مدينة نصر، وارتكاب جرائم الإرهاب، والتحريض على العنف، كما حدث في قضية البحر الأعظم. والتحريض على تعطيل المواصلات العامة، وإحراز أسلحة وذخيرة غير مرخصة. والتعدي على منشآت عامة، والقبض على المتظاهرين السلميين واحتجازها من دون وجه حق وتعذيبهم، والتحريض العلني على العنف، ومنهم الدكتور عصام العريان، والدكتور محمد البلتاجي، ووجدي غنيم، ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية للمعتقلين حتى الآن، ولكن بعض التقديرات تتحدث عن وصول العدد إلى حوالي 10 الآلاف من قيادات الصف الأول والثاني من الجماعة, مع استمرار حملة الاعتقالات، وتوسعها لتشمل أشخاصا يدافعون عن شرعية الصندوق، ولا يمكن حسابهم على الجماعة.
ولعل المواجهة بالقضاء، هي الحلقة الثالثة والأخطر في المواجهة بين الطرفين، خاصة أن الحكومة أحيانا تلعب من وراء ستار، وتتخلى عن واجهة الأحداث، وتستعين ببدائل وما أكثرها، ولعل الحكم الأخير هو أبلغ دليل على ذلك، حيث قام برفع الدعوى المحامي محمود شحاتة، وهو لمن لا يعرفه عضو لجنة الحريات في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو أقدم الأحزاب اليسارية الرسمية في مصر, وتم اختراقه منذ سنوات, خاصة بعد تولي الدكتور رفعت السعيد رئاسة الحزب، وتحول إلى جزء من النظام، ورديف للأجهزة الأمنية، وتم استثمار العداء التاريخي بين الحزب بصفة عامة، والسعيد بصفة خاصة، مع جماعة الإخوان المسلمين، ليكون أحد أدوات النظام في زمن مبارك، وأحد مدافعه الثقيلة للهجوم على جماعة الإخوان المسلمين. ويوضح ذلك أن مقيم الدعوة يستخدم القضاء ويزج به في خلاف سياسي، يتم حسمه عبر صناديق الانتخابات، وفي الشارع، وليس في قاعات المحاكم، خاصة أن القضاء في الآونة الأخيرة كشف عن ممارسته لدور سياسي ضد الإخوان، والرئيس محمد مرسي، وحزب الحرية والعدالة، كما شارك محام آخر هو المستشار محمود عبدالله رئيس محكمة استئناف طنطا سابقا. وهناك العديد من الملاحظات على تلك الدعوى العجيبة والغريبة، والكثير من الشكوك تحيط بها نتوقف عند بعضها:
أولا: طبيعة الأدلة التي تقدم بها المحامي، والتي اقتصرت على خمس حوافظ مستندات، وهي عبارة عن صور فوتوغرافية، لبعض الأشخاص يحملون أسلحة بيضاء ونارية، منهم من هو متَّشح بما يفيد بانتمائه إلى الإخوان المسلمين، وصور أخرى لمأمور قسم كرداسة بعد أن تم التمثيل به، وكذلك صور لبعض الصحف المصرية بها مقالات توضح علاقة الإخوان المسلمين بالخارج, ومحاولة تخريب البلاد. وأرجو من القارئ العزيز أن يعيد قراءة الفقرة السابقة. دعوى بهذه الخطورة يتم عرضها على محكمة، مهما كانت درجتها، تعتمد على صور ومقالات لكتاب، دون انتظار لتحقيقات، أو أدلة، أو أحكام في كل الوقائع.
ثانيا: أنه وفقا لكثير من فقهاء القانون، والكثير منهم من غير المنتمين إلى التيار الديني، تحدثوا عن عدم اختصاص محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، لنظر مثل هذه القضايا. على اعتبار أنها مسؤولية مباشرة للقضاء الإداري، وهو صاحب الولاية فقط، ومنهم المستشار عادل فرغلي الرئيس السابق لمحاكم القضاء الإداري, الذي أكد أن محكمة الأمور المستعجلة التي نظرت القضية غير مختصة بالأساس. والقضاء الإداري هو المنوط به ذلك, وكان يجب على هيئة المحكمة أن توقف نظر الدعوى، لأن جميع المتابعين يعرفون أن هناك دعويين متداولتين أمام القضاء الإداري تستهدفان حل الجمعية التي تم تشكيلها مؤخرا، وفقا لقانون الجمعيات والجماعة. أما المستشار طارق البشري فقد أوجز في الحديث، الذي اعتبر أن كل ما تعيشه مصر يمثل آثارا لانقلاب 3 يوليو.
ثالثا: حيثيات الحكم لا تختلف كثيرا عما يتم نشره في مقالات الكتاب في الصحف المصرية، دون التزام بأي قانون أو دستور دون أدلة أو حقائق أو مستندات أو وثائق. ويكفي أن نتوقف عند بعض ما جاء في تلك الحيثيات، فقد قالت المحكمة إن الجماعة اتخذت من الإسلام ستارا، واستقوت بالخارج لتقويض استقرار البلاد، أين هي الأدلة؟ الإخوان تنظيم سري، اتخذ من الجمعية واجهة لانتمائه غير الوطني، ماذا يعني ذلك؟ ثورة 30 يونيو استهدفت مواجهة ظلم الجماعة، بعد أن أهدرت حقوق المواطنين، أين هي المستندات؟ الجماعة استخدمت النساء كدروع بشرية، وانتهكت براءة الأطفال، وحملتهم أكفان الموتى، كلام إنشائي يفيد في هجوم صحافي موتور معاد للإخوان، ولا يليق بحكم قضائي، ونضيف من الحيثيات أيضاً أن التنظيم حصد أرواح أبرياء، واحتل المساجد، وحرق الكنائس، واعتدى على منشآت الدولة. وكل كلمة تحتاج إلى تحقيق وتحميص أو حكم قضائي مستقر، القانون لا يعرف بالجمعيات السرية، ومنع تشكيل سرايا عسكرية، والأمر صحيح, ولكن أين هي التنظيمات السرية؟ وأين هي السرايا العسكرية؟ الفكر القطبي نسبة للشيخ سيد قطب، الذي تم إعدامه عام 1965 في عهد عبدالناصر، مصدر للتكفير والإرهاب, هل نكتفي بهذا القدر من تلك الحيثيات الغريبة التي هي أقرب للمقالات الصحافية، منها إلى حكم قضائي.
في المقال القادم، نستمر في مناقشة مستقبل جماعة الإخوان المسلمين.