


عدد المقالات 129
تهدف هذه المحاولة إلى رسم ملامح عامة لإشكال لطالما استأثرت بها حفيظة الباحثين في خضم معالجتهم للعلاقة المفصلية بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، في أوجه العلاقة بين الاقتصاد ومنظومة القيم. لذا سنحاول محورة هذه الورقة حول قضية أساسية تهم العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والأخلاق يمكن التعبير عنها بالسؤال التالي: هل تفضي السوق الحرة كشكل من أشكال تطور اقتصاد السوق والمنظومة الرأسمالية، إلى انهيار منظومة الأخلاق وانحلالها؟ التماس الجواب لهذا السؤال يدفعنا بداية إلى أن نحدد ولو بعجالة المعنى التي سنعطيه للمفاهيم المعتمدة في النقاش الذي سيدور عليه الحديث في هذه الورقة. تعريفات تستهدف الأخلاق وصف وفهم وتعريف فعل الإنسان الذي به يفرض على نفسه ويضع نفسه موضع حرية بالنسبة للآخرين، وللعالم.. وتحقق الأخلاق طبيعتها على نحو أفضل كلما نزعت إلى تحقيق منظومة علاقات فردية نستطيع صوغها في نظرية معقولة. الأخلاق بهذا الاعتبار النظري، تتسق بصفات للنفس ميدانها شعور الإنسان الذي ينعكس على سلوكاته في علاقته بالآخر، وبالتالي هي تنظم العلاقات الاجتماعية حسب معايير وقيم نابعة غالبا من العرف والعادات الاجتماعية، وتكمن في مثل الخير والفضيلة والإخاء والعدل.. السوق الحرة هي نظام اقتصادي مبني على منظومة اقتصاد السوق المفتوحة أمام رؤوس الأموال الخارجية، من أبرز غاياتها الاتجاه نحو تحرير الأسواق العالمية، بإعطاء فرص لزيادة الإنتاج الاقتصادي المحلي والعالمي، والرفع من نسب التبادل التجاري الدولي بدون قيود مسبقة. ووفقاً لتعريف البنك الدولي، تعتبر السوق الحرة «نظاماً تجارياً عالمياً مفتوحاً تزول فيه العوائق أمام حركة السلع والبضائع والخدمات وعوامل الإنتاج خاصة رأس المال عبر الحدود الدولية، وتغدو فيه التجارة الدولية الحرة والمتعددة الأطراف هي القاعدة، وهذا يؤدي في النهاية إلى تكامل اقتصادي عالمي متزايد في أسواق السلع والخدمات ورأس المال». إلى جانب ذلك، من أبرز مميزات السوق الحرة الذود عن المصالح المشتركة بين الدول من خلال البحث عن حلول للمشاكل التي تعترض الأمن الصحي والبيئي العالمي، مثل حقوق الملكية، وانتشار الأوبئة، والأسلحة الفتاكة، إلى جانب مشاكل التلوث البيئي.. بحيث تصبح مهمة مواجهة هذه الإشكاليات هاجسا مشتركا بين كافة الدول. من خلال التعريفات السابقة يتضح جلاء الفرق بين مجال المفهومين، اقتصاد السوق والأخلاق، بدون أن يعني ذلك تعارضهما أو تنافرهما. فالأخلاق تتعلق بنية الفرد وبوجده، وهو المنتج لقيمها ومعناها، وهي المنظور القيمي للفرد في سلوكاته تجاه الأفراد الآخرين. أما السوق الحرة فهي نظام اقتصادي يتعلق بسريان لرأس المال وفق منظومة تخضع لقيود معينة، لذا فقوام السوق الحرة هو مجال التجارة والتبادل السلعي والمالي. فهل يمكن الحديث عن مجالات تداخل وتقاطع الأخلاق والسوق الحرة؟ هل تنفي السوق الحرة أي وجود للأخلاق؟ في الحاجة للأخلاق في السوق الحرة إنه لمن المجازفة العلمية تعريف الأخلاق والسوق الحرة تعريفا مزدوجا يجعل المفهومين متسقين في مجالاتهما التداولية، فالمجال التداولي للأخلاق هو غير المجال التداولي للسوق الحرة. وهنا يجيبنا المفكر الفرنسي «أندريه كونت سبونفيل» حينما يقيم تمييزا بين الاقتصاد والأخلاق، بدون أن يعني ذلك نفي أحدهما للآخر. فقط لأن «الاقتصاد ليس شخصا حتى تكون له أخلاق، نحن الذين يتعين علينا أن نكون أخلاقيين». فالسوق الحرة هي تعبير عن مسار لرأس المال وفق نظام اقتصاد السوق الذي يهدف لخلق الثروة، إذن هو مسار يبتعد عن مشاعر ونية الأفراد، حيث يمكن التعبير عن القيم الأخلاقية للفرد. فإذا كان هناك مجال للأخلاق في الاقتصاد فهذا المكان تحديدا مكان للأفراد بحسب تعبير «أندريه سبونفيل». يأتي هذا الاستطراد الضروري منه، للرد على القائلين بأن الاقتصاد الرأسمالي والسوق الحرة هما مرتع لأشكال الاستغلال الرأسمالي ونهب ثروات الدول الضعيفة، وشكل من أشكال الاستبداد الاقتصادي..، وبالتالي أي حديث عن الأخلاق في اقتصاد السوق هو كلام مجانب للصواب، ليس من السهل نفي هذا الكلام بيد أنه في الوقت نفسه لا يمكن الانسياق وراءه بدون الاستقصاء على مدى صوابه. إذا كان النظام الرأسمالي المبني على قيم اقتصاد السوق والتنافس الحر في استثمار رؤوس الأموال، يفتقد للوجه الإنساني على اعتبار أنه لا يضع من أولوياته الجانب الاجتماعي والأخلاقي، فإن النظام الرأسمالي يعتبر أهم منظومة اقتصادية صمدت في وجه تحولات التاريخ واستطاعت أن تقيم حضارة إنسانية يتمتع داخلها الأفراد بمجالات واسعة من المساواة في الحقوق والواجبات والحرية، بخلاف الاشتراكية التي لطالما حاول مؤيدوها إبراز جانبها الاجتماعي من خلال تدخل الدولة في توفير الخدمات للأفراد في كافة مجالات عيشهم، لكن هذا النظام أفرز بيروقراطية نمطية تخفي وراءها شبكات من الفساد والاقتصاد الريعي وجد تعبيره في الأنظمة الاستبدادية التي كانت ترعى معظم الدول الاشتراكية. وعليه يتضح أن السؤال الأخلاقي يندرج في صيغة: ماذا يجب أن أفعل؟ بينما السؤال الاقتصادي يندرج في صيغة: ماذا يمكنني أن أملك؟ في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» حاول ماكس فيبر، أن يبرز الدور الذي لعبته الأخلاق العليا والبنى الدينية في نشوء النظام الرأسمالي، من خلال دراسته للأخلاقيات الاقتصادية للدين وما يؤكد عليه الدين من قيم اقتصادية، لما يحث عليه من دوافع تجاه الإخلاص في العمل والتفاني فيه، والحماس المتزايد والروح المعنوية العالية بالشكل الذي يجعل العمل المهني هدفا فرديا ومطلبا أساسيا في حياته. وهنا يميز فيبر بين البروتستانتية والكاثوليكية في القرن الـ16، حيث تتميز الأولى بالحث على العمل الحر والادخار وتراكم الثروة، والدفع بالفرد إلى العمل والإخلاص فيه باعتباره جزءا لا يتجزأ من التدين، بخلاف الكاثوليكية التي ترمي إلى الزهد والتقشف دون الاهتمام بالعمل الحر. وبالتالي تعتبر الروح الأخلاقية إحدى الروافد الأساسية لنشوء الرأسمالية وتطورها، من خلال التنظيم العقلاني الحر للعمل والإنتاج. فالسمات الأخلاقية مصاحبة للرأسمالية منذ نشأتها، وبالتالي فالسوق الحرة كتعبير عن تطور الرأسمالية من المفترض فيها من الناحية المبدئية أن تتسم بروح الأخلاق من خلال الأفراد المتحكمين في عمليتها. آدم سميث أستاذ علم الأخلاق وصاحب أبرز النظريات الاقتصادية الرأسمالية يقول في كتابه «نظرية الوجدان الأخلاقي»: «ينبغي على الرجل أن ينظر إلى نفسه على أنه مواطن في هذا العالم وعضو في جمهورية الطبيعة وليس فردا مستقلا ومنفصلا عن العالم، ومن أجل مصلحة هذا العالم الكبير ينبغي عليه طوعا أن يضحي بمصلحته الشخصية الصغيرة في كل الأوقات». السوق الحرة أو العولمة الاقتصادية كشأن يتعلق بما هو مادي، في حاجة دائمة للأخلاق كشأن روحي متعلق بسلوك الفرد النابع من شعوره ومدى تشبعه بقيم الخير تجاه الآخر. أتفق مع الرأي القائل بأن السوق الحرة مبنية على الطمع في التوسع الاقتصادي والرفع من الإنتاجية وسريان رأس المال بين الدول. قد يكون الطمع صفة سيئة أخلاقيا لكن لولا الطمع في الارتقاء بالذات وتطويرها لما اتجه صاحب رأس المال نحو استثمار أمواله، ولما أنشئت الشركات الخاصة التي تشغل اليد العاملة، ولن يتوفر الحافز لدى الأفراد في إنشاء المؤسسات الذات الطبيعة الخدماتية التي ينتفع بها الناس في مجالات الصحة والتغذية والتكنولوجية..، رغم ما تخفيه من رغبة في الحصول على الربح، لكنه فيه خير ومنافع للناس. تصبح السوق الحرة هدامة حينما يغيب القانون، وليس المقصود هنا شرعنة تدخل الدولة، ولكن المقصود القانون الذي يجعل من خلق الثروة محددا لخلق مجتمع إنساني. ولما كان القانون هو تعبير عن الالتزام الأخلاقي للفرد، بالتالي تحتاج السوق الرأسمالية الحرة إلى أخلاق وقيم كوازع لرسم الحدود بين ما يجوز وما لا يجوز، لكن من خارجها وليس من داخلها. ففي الاقتصاد لا نميز بين قرار أخلاقي وقرار غير أخلاقي، وبين استثمار أخلاقي واستثمار غير أخلاقي، ولكن نميز بين سلوك مفيد وآخر ضار، بين سلوك قانوني وآخر غير قانوني، وهو ما يعتمد على كيفية تصور الفرد للحياة الجيدة. ينشر بالتعاون مع مشروع» منبر الحرية» ? باحث مغربي
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...