هي إذا صــورة من صــور الكيد السياسي، والرغبة في الانتقام من المعارضين، والتعامل بروح الثأر والتنكيل، تلك التي تم التعامل بها مع قضية الدكتور هشام قنديل رئيس وزراء مصر الأسبق، بعد الحكم عليه بالسجن عاما، وعزله من وظيفته، ولم تنصفه سوى محكمة النقض، التي أصدرت أسرع قرار بالإفراج عن الرجل، وإخلاء سبيله منذ الجلسة الأولى، دون أن تطلب مثلا -وهو من سلطاتها- إحالة القضية إلى دائــرة أخــرى، أو قامت هي ببحث القضية. -وهــذا من حقها- ما يعني تماماً أن الدفوع والأدلة والأسانيد التي قدمها الدفاع كانت من الوضوح واليقين الــذي جعل المحكمة تتخذ هــذا القرار، وتصدر هذا الحكم، مما يلقي بظلاله على المستويين الآخرين من درجات التقاضي، اللذين نظرا القضية، الأولى التي أصدرت الحكم بالسجن والعزل من الوظيفة والغرامة، والثانية وهي محكمة جنح مستأنف الدقي، التي أيدت الحكم، مما دعا هيئة الدفاع إلى الإشارة إلى أن محكمة استئناف الدقي شاب حكمها عدم تطبيق صحيح
القانون والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، ويمكن النظر للموضوع من زاويتين.
الأولى: ما يتعلق بمناقشته أبعاد القضية على المستوى القانوني.
والثانية: هو ما يتعلق بها من أبعاد سياسية.
ولعل هــذا الحكم الغريب، يكشف للأسف الشديد عــن مستوى التسييس، الذي وصل إليه القضاء المصري، حيث تغاضى عن كثير من الحقائق والأدلــة، فقط لاستهداف رئيس الــوزراء الأسبق هشام قنديل، وسجنه بتهمة غريبة، وهي عدم تنفيذ الحكم القضائي الصادر بإلزام رئيس الحكومة بإلغاء قــرار خصخصة شركة النيل لخليج الأقطان. في إطار الرفض العام لصفقات الخصخصة التي شابها أعلى درجات الفساد، والذي تورط فيه عدد من كبار المسؤولين، وفي مقدمتهم الدكتور عاطف عبيد، الذي تولى وزارة قطاع الأعمال ومسؤولية بيع القطاع العام وشركاته، وتم مكافأته بترأس الوزارة.
إذا فإن الجاني في هذه الحالة لم يكن د.هشام قنديل، وقد يقول قائل: إنه مسؤول عن عدم تنفيذ حكم قضائي باستعادة الحكومة للشركة وإنهاء عملية بيعها، والوقائع تؤكد أنه لم يكن في الموقع الذي يستوجب التنفيذ، فقد وصل الحكم إلى هيئة قضايا الدولة، في 9 يناير 2012، ويومها كان وزيرا للري، بينما رئيس الوزراء المكلف بالتنفيذ كان في ذلك الوقت الدكتور كمال الجنزوري، بل العكس، عندما تولى د.هشام قنديل رئاسة الـــوزراء، سعى إلـى استعادة الشركة بعدة خطوات، ومنها صرف مرتبات العاملين في الشركة، وإرسال خطاب إلى وزير العدل، بعدم التصرف بالبيع أو الشراء في أصول الشركة وممتلكاتها، إذا لم يكن د.هشام قنديل هو المسؤول الواجب محاكمته، على عدم تنفيذ الحكم القضائي، ناهيك عن أخطاء أخرى عديدة في الإجــراءات، ومنها أن الدكتور هشام قنديل لم يتسلم الصيغة التنفيذية للحكم، وتــم رد كل المــراســلات الخاصة بهذا الأمــر إلى مصدرها، كما تم إثبات ذلك من وثائق رسمية من هيئة البريد، ومع كل تلك الأسانيد، فيبدو أن النية كانت منعقدة لأسباب أخرى بالتنكيل بالرجل عن طريق استخدام القضاء، طالما أنه لم يتم توجيه أي تهم له في أحداث أو قضايا أخرى، مما يجعله مع قليلين استثناء قاعدة، أن كل الذين عملوا في مناصب تنفيذية أو سياسية، كما أن قضية عدم تنفيذ كبار المسؤولين من الوزراء وغيرهم لأحكام قضائية مسألة اعتيادية في مصر، وهناك آلاف الأحكام واجبة النفاذ والتنفيذ، وما زالت محلك سر، ولم يتم معاقبة أحد، ولعل الأشهر هو وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم.
ولا يبقى أمامنا سوى المستوى السياسي، الذي يمكن من خلاله اكتشاف أسباب الكيد السياسي، والرغبة بالتنكيل بالرجل، الذي ساقته الأقدار لتولي المنصب التنفيذي الأهــم، في مرحلة هي الأخطر في تاريخ مصر، فهو بكل المقاييس ينتمي إلى فئة التكنوقراط، الذين ليس لهم انتماءات سياسية، اهتمامهم الأساسي بأعمالهم ووظائفهم، دون أن يشاركوا في الشأن العام، حيث حصل على الماجستير والدكتوراه في مجال تخصصه من الولايات المتحدة الأميركية، واستمر في بنك التنمية الإفريقي في المقر الرئيسي له في تونس عدة سنوات قبل أن يعود لمصر، ويتولى عدة مناصب في وزارة الري، منها مدير مكتب الوزير، ورئيس قطاع المــوارد المائية بالوزارة، وكلها مناصب تنفيذية، ولكن من الصعوبة بمكان توقع أن يكون أحد من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين هو من يتولها، خاصة أنها كانت جماعة محظورة في ذلك التوقيت، كما أن التقارير الأمنية من أمن الدولة تلعب دورا مهما في الترقي للمناصب العليا، وبالفعل تولى الوزارة لأول مرة في عهد الدكتور كمال الجنزوري.
وكان اختياره رئيساً للوزراء إحدى الخطوات المفاجئة، بعد أن استحال عملية استمرار الدكتور كمال الجنزوري في المنصب، خاصة مع اختلاف وجهات النظر بين الطرفين، وغياب الانسجام بين الجانبين، خاصة أن قنديل ليس من جماعة الإخوان، ولم ينضم إلى حزب الحرية والعدالة بعد إنشائه، وقد ذكر ذات مرة أن لقاءه الأول مع الدكتور محمد مرسي كان أثناء اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة كمال الجنزوري، كما أنه لم يعرف للرجل أي نشاط سياسي من قبل، وقد أكد أنه لم يلتق أبداً مع المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للجماعة، وقد يكون وراء الاختيار، اعتذار الكثيرين عن المنصب، وقد يكون السيرة الطيبة، وتدينه وراء ذلك الاختيار، ولكن الرجل اجتهد خلال الفترة القصيرة، التي تولى فيها المسؤولية في ظل الظروف الصعبة التي مرت بها مصر، خاصة أن إحدى سمات تلك المرحلة، هي استباحة الرئيس محمد مرسي، فما بالك رئيس الـوزراء، والذي تعرض هو الآخر لحملة غير مسبوقة، تم استخدام كافة الوسائل، ومنها أجهزة الإعلام، ومن ذلك قيامه بصلاة الفجر مثلا، وبدء عمله في الصباح الباكر، وتم اعتبار نفس الدعوة من الرئيس السيسي إنجازا، وتم السخرية من دعوته إلى ارتداء الملابس القطنية في الصيف، بينما الإشارة إلى المصابيح الموفرة، ونزول رئيس الوزراء إبراهيم محلب إلى موقف سيارات الأجرة وسط البلد لإقناعهم بعدم رفع الأسعار نوع من اقتحام المشاكل.
ويبدو أن استهداف هشام قنديل، بدأ بعد أن قدم شهادة مخالفة لما قاله الفريق أول عبدالفتاح السيسي، بعد 3 يوليو عن أيام الأزمة، التي سبقت الانــقــلاب، ومنها العرض الــذي تم تقديمه السيسي، يترأس الوزارة والإسراع بالانتخابات النيابية، وبعدها يمكن النظر في الانتخابات الرئاسية المبكرة، وكان هناك حرص على التنكيل بالرجل، لدرجة أنه تم إشاعة أنه تم ضبطه، حسب ما ذكرته وزارة الداخلية، أثناء هروبه إلى السودان، رغم أن مكان القبض عليه، كان في الفيوم. والمسافة آلاف الكيلومترات بين الفيوم والحدود المصرية مع السودان، كما تم تعميته وتقييد يديه، كما لو كان أحد المجرمين العتاة، رغم أنه كان لأشهر سابقة، رئيسا لوزراء مصر، كما أنه لم يدان في جريمة مخلة بالشرف، وقضى في السجن أكثر من ستة أشهر ونصف، حتى حصوله على البراءة من محكمة النقض، دون أن يتلقى أي اعتذار من أي جهة، سواء تنفيذية أو قضائية عن كل ما حدث له.وبعد هل تعود العدالة وإنصاف المظلومين إلى مصر؟! نتمنى كما تمنى هشام قنديل بعد الإفراج عنه.