


عدد المقالات 103
سرنا نحو القرية الصغيرة التي ينتمي كل سكانها إلى الإسلام. القرية شبيهة بكل القرى العربية إلا أنها تقع في قلب «مقدونيا» إحدى دول البلقان التي تقع جنوب شرق أوروبا. المقهى الوحيد يقع في ساحة القرية الصغيرة ويتوسطه تلفاز كبير، تتعلق به أعين مشدودة للكرة التي يتقاذفها فريقان من جيرانهما بأوروبا. دخان السجائر يلوث الهواء وأكواب الشاي لا تفارق الطاولات. وتماما كما هو الحال عندنا يسكن الشباب الباحث عن عمل المقاهي يتابع الشاشة لساعات ثم يقطع ملله بالتطلع للنساء في أثوابهن المحافظة الطويلة وخطواتهن العجلة دوما. تقدم منا «شريف» الرجل المسلم من جذور ألبانية. رحب بنا ترحيب الأقارب، ثم أشار إلى صورة للكعبة تعلو الجدران ورفع يده إلى السماء. كان يود إخبارنا بأنه يتطلع للحج. كان شريف هو المسؤول عن مسجد القرية. أخرج المفتاح من جيبه وكنا نصف ساعة قبل صلاة العشاء. المسجد بسيط لا يشبه المساجد العربية الثرية، لكن ورغم ذلك مكون من طابقين.. الطابق الأعلى هو للرجال أيضاً لكنه يخصص للنساء خلال صلاة العيد. تبتعد القرية عدة كيلومترات عن «أوهرت» المدينة التي أهدتها العيون الطبيعية بحيرة شاسعة تبلغ ثلاثين كيلومترا طولا وعشرة كيلومترات عرضا، وتعد المنفذ المائي الوحيد ليس للمدينة وحدها ولكن في كل مقدونيا المحرومة من طلة على «البحر الادياتي». في المساء استقبل قلب «أوهرت الجميلة» مهرجانا فنيا ضم أكثر من عشرة عروض راقصة تنافست فيها الفرق على جذب إعجاب المشاهدين، إلا أن اللافت للانتباه أن أيا منها لم تقدم باسم «مقدونيا» الدولة. لكن أعلام المجموعات العرقية المختلفة ارتفعت عاليا، وظل علم مقدونيا المكون من شمس صفراء في وسط العلم يصدر عنها ثمانية أشعة صفراء على أرضية حمراء ساكنا في جانب هادئ على المسرح، بينما الأعلام الأخرى تمرح بأيدي الراقصين على أنغام موسيقاهم القادمة من أغوار الجبال. يفضح أي حوار مع مواطن مقدوني الوضع العرقي المنفرط بالداخل. فالألبان يرون أنهم المجموعة العرقية الأكبر ويتحالفون مع الكتلة السياسة الأكبر في البرلمان، برغم أن الأول مسلم الديانة والثاني مسيحيي، بينما يسقط الغجر إلى أسفل المجموعات العرقية. وبينما تحاول التشريعات الحفاظ على حقوق متساوية لهم فإن الثقافة تقصي الغجر بقسوة، وتراهم فئة فقيرة تشوه وجه المجتمع، على أن لون البشرة قد جمع بين المصريين البلقان وبين الغجر، فكلاهما قد لفحته الشمس وصار «ملونا»، كما أن كليهما مسلمان. ورغم ارتفاع الأوضاع الاقتصادية نسبيا للمصريين مقارنة بالغجر، فإن المواطن المقدوني الأبيض لا يرى فرقا بينهما، ليضاف إلى قائمة التمييزات الكثيرة تمييز مستمد من لون البشرة. كان هذا الخلط بين المصريين الفراعنة الذين قدموا إلى مقدونيا قبل ثلاثة آلاف عام وبين الغجر واحدا من أسباب ترسيخ الهوية المصرية عبر إنشاء جمعية تضم المصريين المقيمين في مقدونيا، ثم ما لبثت أن اتسعت وصارت اتحادا يضم جمعيات مماثلة للمصريين في بقية دول البلقان. يرد د.روبين الرئيس المنتخب للاتحاد وأستاذ علم الإنسان: أردنا أن نعزز هويتنا المصرية نحن أيضا في تلك البلاد. ليس أمامك إلا التمسك بهويتك العرقية الأولى. فرغم القوانين ومحاولات الدولة لدرء التمزق العرقي وجمع المواطنين في بوتقة الوطن، لكنهم ما زالوا يلوحون بأعلام أعراقهم. في طرق العودة حاولت أن أنسى الرقصات الكثيرة للبلد الواحد الصغير، وعدت للاستماع إلى الأسطورة القديمة التي تؤكد أن الله خلق ألوانا كثيرة بالحياة ليستمتع البشر بالتنوع .
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...