


عدد المقالات 18
إن جائحة كورونا ستغير النسق العام للسلطة والعلاقة ما بين المجتمع والدولة، فالتصور النيولبيرالي للدولة ، يجعلها حسب تعبير أحد دعاتها (روبرت نويزك) الدولة الخادمة للسوق أو دولة الحارس الليلي ، كما أن معالم هذه الأيديولوجيا تبشر بالجهوية كأسلوب للتدبير العمومي، والشراكة خاص/عام كأحد البدائل التنظيمية للخدمات العامة. إن هذا البراديغم التنموي النموذجي الذي سوقته العولمة المؤدلجة مجرد صرح من رمال تهاوى مع أول موجة اختبار لأساساته. إن إدارة الصين لأزمة «كورونا» حطم كل يقينيات اللبيرتارية التي تُسَيِّد الفرد وتقلّل من شأن المجتمع، وتعلي من مكانة الحرية الفردية بقيمها الاستئثارية الأنانية، وتهزأ بقيم الخير العام. إن هذا النقاش سيعيدنا إلى مفهوم مراجعة الخيارات الأيديولوجية من جديد، لكن بمعنى مختلف عن النقاشات التي صاحبت الثنائية القطبية، لا ضمن سياق أيديولوجيا النهايات التي بشرت بها أطروحتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات. كل هذا يؤشر على عودة دور الدولة أو رأسمالية الدولة على النمط الصيني، كما ستشهد تحولاً عميقاً في مفهوم التدبير العمومي والسياسات العمومية. كما أن التغيير لا ينفك يعيد النظر في براديغم الحوكمة، بل يعيد بناء تصور للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وينبئ بنهاية الديمقراطية بنوعيها التمثيلية والتشاركية، هذه الأخيرة التي تبدو كمناورة سياسية لتسويغ الشراكة بين المجتمع المدني والدولة تبخبسا للعمل الحزبي، وثنائيه الشراكة عام/خاص كتبرير للخصخصة. إن أزمة جائحة كرونا ستغير نسق السلطة ومفهوم السيادة رأساً على عقب، فلم تعد السلطة مبنية على مشروعية مراكمة العنف (الشرعية القانونية)، بل ستتحول إلى مشروعية تأمين الحياة (شرعية حيوية) أو ضمير المجتمعات وقوتها الحيوية، أي الكفاح من أجل البقاء، أو ضمان الحياة أمام تهديد حروب المستقبل (الحروب البيولوجية). كما لم تعد السيادة مرتبطة بالسيادة الإقليمية والحدود والمواطنة في بعدها القومي (الدولة القومية)، أو السيادة المعولمة المبنية على الحكامة العابرة للدول. من المؤكد أن أننا سنشهد حِمائِيّة جديدة وعودة الدولة القومية فيما يسمى بخطاب ما بعد العولمة، لكن بشكل مختلف. إن المتوقع في نظرنا هو عودة النزعة الهوياتية أو ما أسميه الاحتماء الثقافي أو النكوص الثقافي ، أمام انهيار القيم الحضارية الغربية المعولمة (قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان). إن هذه النكوصية الثقافية تدشن لمساواة بين الثقافات وبداية نهاية الهيمنة الثقافية الغربية، كمدخل لبناء هوية ثقافية عالمية، مبنية على الاحترام المتبادل للثقافات أو التواصل الثقافي الخلاق. إن النكوص الثقافي هو تعبير عن عجز الخيال السياسي الغربي عن إيجاد مخرج لأزمة الدولة الحديثة، أمام تزايد الشعبوية الديمقراطية (صعود اليمين في الديمقراطيات الغربية، وهيمنت الرداءة السياسية في الخطاب السياسي الغربي) إن أزمة الديمقراطية، تتيح إمكانية تسويغ أنماط جديدة للسلطة، مبنية على استمرارية السلطة بدل فكرة التناوب السياسي، وعودة الزعامات الملهمة (الكارزما السياسية) ليس على شاكلة النمط الفيبري(Max Weber) التقليداني (تاريخية، قبلية، دينية...)، بل كارزما مبنية على شرعية الإنجاز. إن نجاح الأنظمة المركزية وزعامات الإنجاز في كل من الصين وتركيا وروسيا، تدشن لنمط جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تستلهم مفهوم الاستبداد العادل أو المستنير كنسق جديد للأنظمة السياسية في المستقبل.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...