حضور مميز..
02 أبريل 2015 , 02:23ص
هو مؤتمر للقمة العربية في دورتها الـ٢٦، ومن البديهي أن يشارك فيه كافة القادة العرب، فهو المناسبة التي تتكرر سنويا بعد إقرار آلية الانعقاد الدوري للقمة، التي دخلت حيز التنفيذ منذ آخر قمة استضافتها مصر عام ٢٠٠٠، زاد من أهمية الحرص على المشاركة، خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة العربية، المشتعلة من شرقها إلى غربها، من شمالها إلى جنوبها، بدأت القمم العربية في الأربعينيات من القرن الماضي، بالتركيز على القضية الفلسطينية، ومواجهة احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، ومرت كل تلك الأعوام السبعين، دون حل لها، وأصبحت تعاني من تعقيدات أدخلتها إلى نفق مظلم، وزاد عليها أزمات ومشاكل وتحديات، أثقلت كاهل العمل العربي المشترك، وصعبت من مهمة القادة، وأصبح الحديث عن مأساة يعيشها الشعب السوري، وعن وضع غير مستقر في ليبيا، وصراع يتخوف البعض من أن يأخذ الطابع الإقليمي في اليمن، مع إذكاء روح المذهبية والطائفية، ناهيك عن قضايا ليست جديدة ولكنها مستمرة، مثل احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، أو الوضع في الصومال، ومخاطر تصاعد الإرهاب، الذي اتخذ في الآونة الأخيرة بُعدا جديدا، من خلال السعي إلى إقامة دولة على حساب دول وطنية ذات سيادة، مثل تنظيم داعش.
وفي إطار ذلك جاءت مشاركة سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر، والتي مثلت حدثا مميزا في ضوء عدد من العوامل، في مقدمتها محاوله بعض أعلام الأزمة في مصر، الترويج لفكرة غياب سمو الأمير عن القمة، دون وعي أو إدراك، بأن قطر تاريخيا لم تتأخر أبدا عن المشاركة في أي تجمع عربي، يستهدف صالح الأمة وأمنها واستقرارها، فما بالك عن قمة عربية، وفي ظل ذلك الظرف التاريخي الدقيق، واعتمدوا في ذلك على وجود سوء فهم بين القاهرة والدوحة، وكانت الحقيقة التي غابت عن هؤلاء، أن الدوحة أكدت ومنذ اللحظة الأولى لوصول دعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الأمير الشيخ تميم، على المشاركة عبر القنوات الرسمية المعنية بهذا الأمر، كما أن الدوحة كجزء من سياستها العامة، حريصة على تمتين علاقاتها مع كل الدول العربية من دون استثناء، ولم تسعَ إلى افتعال أزمة أو خلق خلاف مع أي من العواصم العربية، ولهذا فلم تكن مشاركة سمو الأمير مفاجأة للمتابعين للسياسة الخارجية القطرية، زاد على ذلك اللقاء الثنائي بين الشيخ تميم والرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي اقتصر عليهما، وكل المؤشرات أن صفحة جديدة، في العلاقات بين البلدين قد فتحت، وقد نشهد مرحلة مختلفة في هذا المجال. لم يقتصر الأمر على المشاركة، ولكن امتد إلى الطرح القطري، الذي جاء في كلمة الأمير تميم أمام القمة، الذي اتسم بالصراحة الشديدة، والوضوح الكامل، وشمول الرؤية، وعمق الطرح، واتساع دوائر الاهتمام. ولعل الموقف القطري تجاه الوضع في سوريا، يمثل النموذج الأبرز في ذلك، ففي ظل إحساس البعض بأن مرور ٤ سنوات على المأساة التي يعيشها الشعب السوري، دون تحقيق هدف إسقاط نظام الأسد، أو قدرة النظام على حسم الصراع لصالحه، بدأت جهات عديدة في الاقتراب من موقف الدول الداعمة للنظام السوري، خاصة إيران وروسيا، وظهرت ملامح مشروع إعادة تعويم بشار الأسد مرة أخرى، والحديث عن اعتباره جزءا من الحل، والترويج لفكرة أن هناك ضرورة للتفاوض معه، ولعل أبرز المواقف في ذلك واشنطن وعدد من الدول العربية، فجاءت الرؤية القطرية من خلال كلمة سمو الأمير، واضحة بصورة لا تقبل التأويل، ومحددة، عندما أشار إلى أن هذا النظام ليس جزءا من أي حل، فالحل السياسي يعني تلبية مطالب الشعب السوري، وإتاحة الفرصة أمام القوى المدنية السورية، بجميع تياراتها، لتشكيل حكومة انتقالية، تعمل على تمهيد الطريق أمام الشعب السوري، لتحديد خياراته بنفسه، في انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، داعيا إلى التحرك العربي، متسائلا هل سنبقى ننتظر ما سوف يفعله الآخرون في سوريا؟ بعد أن اتضحت تماماً حدود فعلهم، ولم يعد ثمة مجال للتكهن والتحليل. مضيفا متى سنتحرك نحن كعرب، لإنهاء هذه المأساة، بالتنسيق مع من يجب أن ننسق معه؟ وعلى نفس المسار، جاءت الرؤية القطرية تجاه قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فالحديث يدور حتى على لسان المعنيين بالشأن الفلسطيني ذاته، وفي أروقة الجامعة العربية وفي عواصم مختلفة، عن إمكانية تشكيل وفد يتحاور مع القوى الكبرى، وكلها أمور مجربة، في إطار اعتبار الخيار الاستراتيجي للعرب منذ عقود، هو الالتزام بالسلام العادل والشامل، الذي يراوح مكانه، بل ويتراجع مع اتجاه المزاج حتى لدى الناخب الإسرائيلي، إلى التطرف وأقصى اليمين، بدليل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وجاء الطرح القطري ليمثل خريطة طريق، تتضمن دعوة مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته، بموجب الفصل السابع من الميثاق، وضمن خطة عمل سياسية واضحة، وفي إطار زمني محدد، ولم يكتفِ الأمير بذلك، فوضع النقط على الحروف، فيما يخص التناقض في مواقف البعض من الدول العربية، والتي تتحدث عن عدالة القضية الفلسطينية، والظلم اللاحق بالفلسطينيين، والقبول بما يعانيه الشعب الفلسطيني من جهة أخرى، وأن يتحول حصاره إلى حالة طبيعية.
وكان موقف قطر الذي أعلنه الأمير تميم من الأزمه الليبية مهما، وسط حملة من الأكاذيب والاتهامات الباطلة، حول انحياز الدوحة لفريق ضد آخر، فقد أعلن سمو الأمير محددات الموقف القطري، بدعم الحوار من دون إقصاء أو تهميش، بعيدا عن التدخلات الخارجية، للوصول إلى حل سياسي، يحترم إرادة الشعب الليبي، ويلبي طموحاته المشروعة، في الأمن والاستقرار، ويهيئ الظروف لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
ولعل الرؤية القطرية تجاه ظاهرة الإرهاب، كانت الأوضح في الطرح والتناول، فالظاهرة تمثل "خطرا جديا على الأمن الإقليمي العربي والأمن الدولي"، ولا يجوز تبرير الإرهاب "فنحن جميعا ندينه بكافة أشكاله وصوره"، "والواجب علينا العمل على اجتثاثه من جذوره" مع ضروره التفريق بين الإرهاب، ومقاومة الاحتلال وحق الشعوب في النضال من أجل تقرير مصيرها، وعند علاجه على المدى الطويل، فإنه لا يمكن فصله عن عوامل عديدة تراكمت على مدى العقود الماضية، منها يأس الخاسرين من عمليات التحديث دون تنمية، واليأس من إمكانات التغيير السلمي، مع سد الدولة الأمنية احتمالات الإصلاح، وسياسات الإقصاء الطائفي، والتهميش الاجتماعي وتنوعت القضايا الأخرى المطروحة في الرؤية القطرية، التي كشف عنها سمو الأمير تميم، بامتداد مشاكل العالم العربي، فقد تناول الأزمة اليمنية، معربا عن خطورة زرع بذور ظاهرة مقيتة، لم تكن قائمة فيه وهي الطائفية السياسية، معربا عن استعداد الدوحة للمساهمة في حل يضمن وحدة اليمن وأمنه واستقراره، بالتعاون مع الأشقاء، وهو نفس المسار عند مناقشته للوضع في العراق، وصياغة العلاقات العربية مع إيران، يضاف إلى ذلك قضية إصلاح الجامعة العربية، والتي وصلت إلى العام الـ٧٠ من عمرها، أو الدعوة إلى التكامل الاقتصادي، الفعلي والحقيقي بين الدول العربية.
usama.agag@yahoo.com •