


عدد المقالات 307
أخبار القتل والقتل والقتل، بكل الأساليب والأشكال، بكل الأدوات، وبكل الأيدي والشعارات، تنكّد نهارات العرب ولياليهم في أماكن كثيرة من عالمهم. وعندما لا يكون العدو الإسرائيلي القاتل المعتاد، وهو نادراً ما يفوّت يوماً من دون أن يسفك الدم ليتأكد أنه لا يزال على قيد الوجود، فإن الأعداء الآخرين القدامى والمستجدّين من حكومات وميليشيات وتنظيمات يحملون شعلة الشرّ ذاتها ليزهقوا أرواحاً صارت، في عرفهم، زائدة! فثمة أبرياء عزّل ليس مسموحاً لهم أن يكونوا أحراراً في بلادهم، لأن «أحراراً» آخرين يحملون السلاح «باسم الثورة» ولا يعترفون بحق مواطنيهم في الحرية نفسها. لعل التحدّي الأهم الذي كان يواجه العرب قبل ثوراتهم، ولا يزال بعدها، هو احترام النفس البشرية، واحترام الإنسان وإنسانيته، وعدم التهاون في قدسيتهما. لكنهم في صدد خسارته إلى الأبد، بعدما أصبح القتل إلى هذا الحدّ سهلاً ورخيصاً. بل أصبح عملاً يحظى بـ «شعبية» يقال إنها تضفي عليه «مشروعية» وحتى «شرعية»، بحسب الفتاوى والتحليلات. فهذا «رئيس» في سوريا أعيد انتخابه وكان شعاره «سوا»، أي «معاً»، أي أنه أشرك ويُشرك «ناخبيه» في محق بضع مئات الآلاف ممن يُفترض أنهم مواطنوه وأنه الحاكم المسؤول عن أمنهم وحياتهم، ولم يكتفِ الناخبون بتجديد «الثقة» بمواهبه الدموية بل رقصوا في الساحات ابتهاجاً. وهذه حكومة في مصر تفضّ اعتصاماً لمناوئيها فتقتل بضع مئات لكن جمهورها لم يحتجّ ولم يستفظع الأمر أيّاً كانت اعتباراته. وهذا رئيس حكومة في العراق ظلّ ينفخ في مرجل الطائفية ويبالغ في الضغط على أبناء وطنه وعندما اشتعلت النار طرح الصوت مستنجداً بأبناء مذهبه فتزاحم الآلاف لتلبية النداء والمشاركة في مقتلة يعرف هو قبل سواه أنه كان بالإمكان تجنبها. نعرف مصدر ثقافة الحكم هذه، فهي تراكمت عبر عقود وعهود من الاستبداد والفساد، لكننا إذا ما التفتنا إلى الجانب الآخر - الميليشيات والتنظيمات، نكاد لا نتعرف إلى مصدر ثقافة القتل والانتحار، وهناك صعوبة كبيرة في رؤية أي ملمح ديني حقيقي فيها. لا شك في أن ثمة ما يربط بين «الثقافتين»، كعلاقة السبب بالمسبّب، غير أن «الربيع العربي» الذي أنعش الآمال ببداية تغيير تلاشى تماماً ونهائياً. يجزم علماء الاجتماع بأنه لا بدّ من المرور بالمرحلة السوداء الراهنة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، لكنهم يجهلون ما يمكن أن يحمله هذا الانتقال وكم من الوقت سيستغرق. فالواقع كشف لنا خبايا كنا نجهلها عن مجتمعاتنا التي أصبحت تتقبّل ما اعتقدناها من المستحيلات. كان، ولا يزال، يقال إن الإرهاب «ظاهرة غريبة» فإذا به قد اخترق مجتمعاتنا، وكلما سمعنا بارتياح أن هذا «ليس منّا ولا يمثلنا»، لا تلبث صور الإعدامات الجماعية والجثث والأشلاء تكذّبنا. بالأمس انقسمنا فكان هناك من تذرّع بعداء الغرب للعرب ليبرر تعاطفه ضمناً أو جهراً مع «القاعدة» وكأن في هذا التنظيم أمل يُرجى أو قوة تنتشلنا من عجز نحن أول المسؤولين عنه، واليوم هناك من يستخدم التنافر الشيعي - السُنّي كي يصطنع لـ «داعش» بطولاتٍ ويسوّغ ارتكاباته وجرائمه. ليس فقط أننا لا نعيش عصرنا بل لم نعد نعرف إلى أي حقبة مقيتة ومظلمة عدنا أو بالأحرى أرغمنا على العودة. وكلما شهدنا فظاعات من يتنكّرون بالإسلام ثائرين على حكام ظالمين أصبحنا بالضرورة نرى لدى هؤلاء الحكام «رأفة» نتمنّى لو يتحلّى بها خالعوهم. كان الحكام بالغوا في الاستبداد حتى أخرجوا الناس من عقالهم فما وجدوا غير الدين الحنيف حَكَماً بينهم وبين الظالمين، لكن ماذا سيجدون غداً للحدّ بينهم وبين القتلة المتأسلمين. لم يسبق لديانة أن عرفت تعريضاً واستهانةً على هذا النحو، ومن أشدّ مدّعي إعلاء شأنها والعاملين على إنفاذ أحكامها. وإذا لم تكن هناك دولة قانون ولم يعد الدين مصهراً للتناقضات ومحفزاً على التعايش والتعاون والتراحم فما نوع الحياة الذي يقترحه المتاجرون بالدين؟ إنه ما نراه اليوم، بل ربما سيكون أكثر سوءاً، من طوابير النازحين داخل أوطانهم أو مهاجرين جدد يُضافون إلى القدامى الذين انتظروا طويلاً اليوم الذي تصبح فيه العودة ممكنة ومتاحة وإذا بهم يدركون أن أوطانهم كانت وستظلّ طاردة. في مشهدين طَبَعا الأسبوع الماضي قضت امرأتان عربيتان في ظروف مختلفة لكن ضحية ظلم واحد، ومع ذلك يبقى ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة من ظلم العدو. ففي الحرب الهمجية التي تشنّها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، بحثاً عن 3 مستوطنين مفقودين منذ أسبوعين، دُهم منزل فاطمة إسماعيل رشدي في مخيم العروب شمالي الخليل، كانت وحدها ولم يحترم الجنود سنّها ولم تمكنها سبعونها من احتمال نوبة قلبية أدّت إلى وفاتها، بل إن الترويع والمهانة والتخريب المتعمّد في البيت هي التي قتلت فاطمة. وإذ يقال دائماً إن الإرهاب لا دين له فإن الإسرائيليين أثبتوا هذه المقولة منذ انزرعوا في قلب العالم العربي. لا شيء يربط بين فاطمة الفلسطينية وسلوى بوقعيقيص الليبية سوى أنهما ضحية إرهاب واحد. سلوى الناشطة السياسية لم تحمل سلاحاً ولا قتلت أحداً، بل لم ترتكب سوى قول الحق من أجل شعبها وبلدها. وفي نهاية يوم انتخابي مضنٍ أمضته في حثّ مواطنيها على التجرّؤ على الخوف والخروج إلى صناديق الاقتراع في بنغازي المضطربة جاء من يقتحم دارها ويقتلها طعناً ثم بطلقة نارية في الرأس، كأنما أراد القول إن لا حدود لحقده. بين إرهاب الدولة الإسرائيلي وإرهاب الشارع في ليبيا، كما في سوريا والعراق واليمن ولبنان، يبدو القتلة متحدين ضد الشعوب العربية، كعدو لهم جميعاً.
لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قراراً متأخراً. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على...
في جلسة مجلس الأمن، الأربعاء الماضي، قيل الكلام الأخطر والأسوأ للتحذير من جريمة إسرائيلية يجري ارتكابها علناً. إذا كان هذا المجلس بمثابة مرجع «قضائي»، باعتبار أن الشعوب تشكو إليه ما تعتبره مظلمة تقع بها، أو...
هل كانت شهادة جون بولتون لتغيّر كثيراً في محاولة تنحية دونالد ترمب؟ يحاول مستشار الأمن القومي السابق الإجابة في مذكراته عن الفترة التي أمضاها في المنصب، المفارقة من جهة أن بولتون يصف رئيسه بأنه غير...
فجأة تحوّلت التماثيل والنصب التذكارية من معالم تاريخية ومفاخر تاريخية وجواذب سياحية، إلى رموز خزي وعار وموضع إدانة ومساءلة، أصبحت آيلة للإزالة ليس من أمام الأنظار فحسب، بل أيضاً من الذاكرة والسجلات، وحتى من التعليم...
لم يخطئ دونالد ترمب أبداً بالنسبة إلى معاييره الشخصية، حتى في مقاربته لواقعة مصوّرة، مثل قتل الشرطي الأبيض ديريك شوفين المواطن الأسود جورج فلويد؛ إذ أذهل الرئيس الأميركي مواطنيه جميعاً بتعامله الفظّ مع ردود الفعل...
ما يظهر على السطح رفضٌ واستنكارٌ دولي لعملية ضم إسرائيل 30 % من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يحدث تحت السطح أن حكومة الائتلاف اليميني باشرت إجراءات الضمّ هذه على الأرض، ولا تنتظر الموعد...
وسط عشرات المسلسلات الدرامية في الموسم الرمضاني، وسوادها الأعظم رديء، كان من الطبيعي أن يبرز واحدٌ من خارج السباق، ومن الواقع المعاش لا من قصص متخيّلة أو مقتبسة. أُعطي أسماء عدة، لكن أفضلها كان «صراع...
لكي يخرق وزير الخارجية الأميركي الحظر «الكوروني» ويسافر إلى إسرائيل، ذهاباً وإياباً من دون توقّف، لا بدّ أن ثمّة شديداً قوياً يتطلّب ضبطاً، رغم أن طبيعة العلاقة بين إدارة دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لا تعاني...
مع رئيس الوزراء الجديد يفتح العراق صفحة غير مسبوقة، منذ سقوط النظام السابق، ذاك أن مصطفى الكاظمي لا ينتمي إلى أي حزب عقائدي ديني، كما كان أسلافه إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي، وعادل عبد...
السؤال مطروح غرباً وشرقاً، سواء باسترشاد ما يُعتقد أن مكافحة الصين لوباء «كورونا» كانت نمطاً نموذجياً لم يتمكّن العالم الغربي من اتباعه، ولذا فقد تبوأ المراتب الأولى في أعداد الإصابات والوفيات، أو ما يمكن أن...
ملامح كثيرة للتغييرات المقبلة بدأت تتراءى أمام العيون وفي المخيّلات وفي دروس المحنة الفيروسية على كل المستويات الفردية والجماعية، بغضّ النظر عما إذا عانى الشخص أو لم يعانِ فقداً في عائلته أو صداقاته، وعن مدى...
لن تختلف تقديرات الخسائر كثيراً في حال «كورونا» عما هي في أي حرب عالمية. ولا يمكن توجيه اللوم لجهة أو لأحد بالنسبة إلى الوباء، رغم أن الانفعالات اندفعت هنا وهناك إلى مزالق سياسية وعنصرية شتّى،...