الإرادة الغائبة!!
01 مايو 2014 , 12:00ص
المهم توافر الإرادة السياسية، وبعدها يمكن البحث عن الآليات والوسائل، فالتجارب موجودة، والفرص متاحة، وضمانات النجاح متوافرة، أتحدث هنا عن المصالحة في مصر، بعد الانتخابات الرئاسية القادمة، وإمكانية إعادة دمج كل التيارات السياسية، حتى تلك المعارضة المتحفظة على ما جرى، في 3 يوليو في العملية السياسية، وفق ضوابط محددة، والتزامات متبادلة من كل الأطراف، ورغبة في الالتقاء في منتصف الطريق، والتعاطي مع كل تداعيات ما حدث، من عمليات قتل وإصابات واعتقالات.
أما التجارب فهي متعددة، وفي المقدمة منها، اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق في البحرين، والتي أمر بها الملك حمد بن عيسى، وضمت شخصيات دولية، مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والتخصص والحياد، وذلك للتحقيق في الأحداث التي شاهدتها البحرين، خلال شهري فبراير ومارس2011.
وكانت الأوامر الملكية، توفير كافة الإمكانات لأعضائها،على المستوى المادي والمعنوي، وإتاحة الفرصة كاملة للجنة، لتلتقي بمن تشاء من كافة المستويات من الحكومة والمعارضة، من المتضررين ورجال الأمن، وتوفير كل الوثائق والمعلومات، وتوفير الظروف المناسبة أمام أعضاء اللجنة للاستماع إلى ضحايا الأحداث، ورصد أوضاع السجون، وأماكن الاعتقال، ووصلت الثقة بالحكومة في مملكة البحرين، أنها أقامت احتفالا كبيرا بحضور الملك، وكل رجالات الدولة، لتسليم التقرير من رئيس اللجنة، وهو بالمناسبة مصري الدكتور محمود شريف بسيوني، والذي جاء على غير هوى الحكومة، بل حفل التقرير بانتقادات لتعامل الأجهزة التنفيذية والأمنية مع الأزمة، وقدم العديد من التوصيات والمطالب، لإدخال إصلاحات على عمل رجال الأمن، والمنظومة الأمنية والقضائية، وإصلاح التعليم وغيرها من الأمور، ولأن الموضوع لم يكن محاولة للتجمل، بل رغبة حقيقة للإصلاح، وعلاج السلبيات، أمر الملك بإنشاء لجنة لمتابعة التوصيات، والتي بدورها أصدرت ثلاث تقارير تفصيلية، حول الإجراءات التي تم اتخاذها، بناء على تلك التوصيات.
لم تكن البحرين هي استثناء القاعدة، بل هناك تجربة عربية لها نفس الأهمية، في المصالحة مع الماضي، وعلاج أخطائه. فهناك التجربة المغربية، والخاصة بهيئة الإنصاف والمصالحة، -لاحظ الاسم ومغزاه- ولاحظ أيضا أن التجربتين، كانتا في دول عربية ملكية، والتي أمر بتشكيلها الملك محمد السادس في يناير عام 2004، وذلك للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، في الفترة من عام 1956 إلى نهاية 1999، وتم تكليفها بإثبات نوعية ومدى، جسامة انتهاكات حقوق الإنسان، في ضوء المعايير المتعارف عليها، ومواصلة البحث في حالات الاختفاء القسري، التي لم تعرف مصيرها، والوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو غيرها في ذلك، كما تم تكليف اللجنة، بالسعي إلى العمل في مجال جبر الأضرار، وإنصاف الضحايا، وقد تقدم لها حوالي 20 ألف طلب، ولعل القراءة المتأنية للتقرير النهائي لعمل اللجنة، تكشف أن الاعتراف بالأخطاء، هو أول طريق معالجتها، وأنه أيضاً مظهر قوة للنظام، وملمح ثقة في قدراته، التي لن تؤثر عليها سلوكيات فرد، أو ممارسات جهاز، مهما كان تعامل مع واجباته بتزيد، ودون مراعاة لأقل الحقوق الواجب توافرها لأي شخص، حتى ولو كان مخالفا للقانون، فما بالك إذا تعلق الأمر بخلاف سياسي، كما كشف التقرير عن ممارسات لا إنسانية، ضد معتقلين ومعتقلات، تم حرمانهم من أبسط الحقوق، تعرضوا لانتهاكات واعتداءات بدنية وجنسية وغيرها، وانتهت اللجنة بتقديم التعويضات المالية، وتسوية الأوضاع الإدارية والمالية، واسترجاع الممتلكات، وإعادة التأهيل الصحي والنفسي، وعمليات الدمج في المجتمع، ولعل تجربة الهيئة، كانت جزءا من الصلح مع الماضي، وخطوة مهمة في طريق مشروع إصلاحي متكامل، بدايته كانت مع السنوات الأخيرة لحكم الملك الحسن الثاني، وتم تكريسها مع الملك محمد السادس.
ويصبح السؤال وماذا عن مصر؟ هل هناك إمكانية للسير في إتمام مصالحة سياسية؟ هل هناك بارقة أمل؟ في عودة الجماعات الرافضة لكل ما جري بعد 30 يونيو، إلي العمل السياسي، باعتبارها معارضة تمثل ركنا أساسيا من العملية الديمقراطية، تبدو الإجابة صعبة، ولكن الأمر لا يبدو مستحيلا، خاصة أن المصالحة ذاتها، تحولت إلى كلمة «سيئة السمعة»، كما يروج البعض، والمطالبة بها تدعو إلى تجريم صاحبها، واتهامه بأسوأ التهم، ومنها الخيانة العظمى، وهو نفس المصير الذي واجه عددا من الرموز السياسية، التي كانت ركنا أساسيا من 30 يونيو، ولكنها حملت رؤية مخالفة لتداعيات ما بعدها، ومن ذلك محمد البرادعي، وزياد بهاء الدين، وكانا لهما وجهة نظر معارضة، لفض اعتصام رابعة العدوية، أو قانون التظاهر بالنسبة لبهاء الدين، كما تم إجهاض أي دعوات خرجت للمطالبة بالمصالحة، خوفا من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهو ما حدث بالفعل، ومن عناصر محسوبة على التيار الليبرالي، ومنهم الدكتور حسن نافعة، الذي اتهم بموالاة الإخوان، وكمال أبوالمجد، بل إن كل محاولات طرحتها شخصيات محسوبة على الإخوان، وآخرهم الدكتور جمال حشمت، تواجه بصلف شديد وتعالي من أجهزة الدولة.
يضاف إلى ذلك أن نظام ما بعد 30 يونيو، يقوم بممارسات تجعل من المصالحة، أو إعادة مراجعة كل ما حدث، بعد ذلك التاريخ، صعبا من خلال استخدام كافة أدوات الدولة وأجهزتها في تلك المخطط، والأمر هنا لا يقتصر على الأجهزة الأمنية، وقوات الشرطة، التي تقوم بعمليات مواجهة التظاهرات اليومية، في الجامعات ومناطق أخرى، بالإضافة إلى إلقاء القبض على المئات بصفة شبه يومية، واستمرار اعتقال أعداد كبيرة منذ ذلك التاريخ، دون الإفراج عن ما لم يتم توجيه اتهام إليهم، ودخل على الخط القضاء، الذي أفرط في الأحكام الخاصة باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، بالإضافة إلى قرارات بالسجن للعشرات، وبعضها قد لا يوافق حكم القانون، ناهيك عن الإعلام الذي لعب دورا هائلا، في عمليات تخوين أي مطالبات بالمصالحة، وقاد حملات لتشويه الجماعة والمنتمين إليها، وتحميلها مسؤولية أي عمليات إرهابية، تقوم بها جماعات تعلن عن نفسها، ويتم ربطها بالإخوان، دون أدلة مقنعة، رغم كل البيانات التي يصدرها، تحالف دعم الشرعية لإدانته لتلك الأعمال، ونفيه الصريح والواضح عن التورط فيها.
ويصبح السؤال المطروح، هل هناك إمكانية لتراجع الرئيس القادم؟ وهو في الأغلب الأعم عبدالفتاح السيسي، الأمر ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، والإجابة لن تكون بنفس بساطة النفي أو الموافقة، فالرجل كان الأمر الناهي في الفترة الانتقالية، بل هو كما يصور أنصاره بطل المرحلة وبنى كل تاريخه على ما قام به في 3 يوليو، ولن يتنازل عن ذلك، ببساطة وسهولة ويسر، لأن ذلك سيعني اعترافه بالخطأ، ومن جهة أخرى، وهناك من يؤكد، أن مستلزمات الرئاسة تختلف، وهو في نهاية الأمر سيسعى إلى أن يكون رئيساً لكل المصريين، ويحقق معادلة الأمن والاستقرار، الواجب توافرهما في عملية تنمية وتقدم حقيقي لمصر، وأنه على استعداد للتعاون مع الجميع لضمان النجاح، ولكن الأغلب والأعم، هو عودة طريقة مبارك في التعامل مع الإخوان، والتي تتضمن عدم إجراء مصالحة معهم، أو تعويضهم، أو الاعتراف بالخطأ في حقهم، مع الإبقاء على كل المستلزمات القانونية والإعلامية، التي تحجم من حركتهم، للحد منها وقت اللزوم، ومحاولة تخفيف الضغوط الأمنية والسياسية عليهم، وترك منفذ بسيط لعملهم، وفقا للأطر المسموح بها من السلطة.
ويبقى السؤال وماذا عن الإخوان؟ الإجابة نتركها للأيام، وللزمن هو وحده من سيجيب عنه.