alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

في العنف الرمزي

31 أغسطس 2015 , 01:40ص
الأنظمة العربية التي فشلت في الإصلاح والبناء المؤسسي، ومن ثم استيعاب تطلعات الإصلاح والمشاركة التي برز حضورها كمطلب لدى الجماهير بعد ثورات الربيع العربي، قد احتاجت (هذه الأنظمة) إلى تفعيل آليات ووسائل العنف والهيمنة الحديثة، التي تحضر بأشكال رمزية وثقافية خفية وغير مباشرة، لأجل حصار وإحباط هذه الرغبات والتطلعات الشعبية في التغيير.
تكمن أهمية العنف الرمزي في كونه أخطر من المادي، لأن الأخير قد يوجه لعدد محدود وعبر عدد من الإجراءات القسرية التي تفرض كلفتها على الدولة في العادة، مثل الاعتقال، بينما العنف الرمزي يتخذ صفة العمومية، وتغييب الفاعل، والانسياب بسهولة للتأثير على مستوى شعبي واسع وعام. ويختلف العنف الرمزي عن المادي، وكذلك عن العنف النفسي أو اللغوي المباشر مثل التهديد أو الشتم، لأن الرمزي يحرص على إخفاء دلالات وملامح القوة التي يحملها، وهو يتجسد غالبا في أنساق بنيوية وثقافية، فالنظام الاجتماعي يملك قوة ما هو طبيعي، أي قوة التعود والسلطة، بحسب بيير بورديو، أتت عبر سلسلة طويلة من العلاقات وإعادة الإنتاج، وتنحو لأن تقدم نفسها عبر كل ما هو طبيعي.
صاحب هذا المفهوم هو عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يعرفه بأنه «العنف الناعم واللامحسوس واللامرئي من ضحاياه أنفسهم». وعبر العلاقات الاجتماعية يعمم المفهوم «الهيمنة الممارسة باسم مبدأ رمزي معروف ومعترف به من قبل المهيمن على المهيمن عليه، أو باسم لغة أو لفظ، أو نمط حياة، أو أسلوب في التفكير أو القول أو الفعل». وليس العنف الرمزي والثقافي ممارسة جديدة، فله حضوره الممتد في التاريخ، وخصوصا تلك الملامح له التي ظلت وبقيت مؤثرة مثل عملية ربط صاحب السلطة بالإله، وجعله تجسيدا رمزيا له في هذه الأرض.
ويعتبر هذا المفهوم أحد تجليات مفهوم «الهيمنة الحديثة»، الذي عمل جرامتشي على تأسيسه، ويرتبط أيضا بأعمال أخرى لمفكرين اهتموا بتفكيك الهيمنة والتعرف على الأوجه السلطوية في الخطابات الثقافية والمعرفية، مثل فوكو وأستاذه ألتوسير الذي سبقه في الحديث عن دور الأجهزة الإيديولوجية للدولة. لكن فوكو تجاوزه ورآها تتجسد في أبعد من ذلك، فالخطابات المعرفية والثقافية عموما تمارس الهيمنة الضمنية.
هنالك جوانب وظيفية متعددة يحققها هذا المفهوم للدولة، مثل فرض الهيبة وترسيخ الشرعية وتنظيم العلاقة بين السلطة والفرد. وتتعدد الملامح والمسارات الرئيسية التي تتجلى فيها مظاهر العنف الرمزي اليوم، ومن الأمثلة الموجودة اليوم التي نستطيع أن نرى تجسيدها لبعد العنف الرمزي، اللوائح ذات الخلفية الأمنية مثل قانون الإرهاب الذي أقرته بعض الأنظمة العربية، أو بعض قوانين الجرائم المعلوماتية، حيث تكشف لنا عن عنف متجاوز يطال مسائل الرأي والتعبير، ومحاولة دفع الدول إلى الإصلاح مثلا. هناك أيضا تفعيل الإعلام والنخب في سياق السلطة، كالقتل المعنوي لشخصية وتشويهها عبر الإعلام، أو إصدار فتوى دينية ضد مطالبات إصلاح.
من ضمن ذلك أيضا سياسات المزايا وإكرام الناس، فقد تأتي في صيغة مكرمة يخجل الناس من التصرف والمطالبة أمامها، أو الحرمان من المزايا أو الحقوق. وملاحظ كذلك أن مفهوم السياسة نفسه ملتبس في العالم العربي، وورثناه بحمولة ذات كلفة على الفرد، فهو مفهوم يبحر في وسط من الدلالات الرمزية التي جعلته مسيجاً وأعطته معنى شبه مطلق، وأقفلت نوافذ الانفتاح والتفاعل معه. أصبحت السياسة والسلطة معبرة عن القوة فقط، ويتم العمل على التجريم الثقافي لكل المضامين التي يحتويها هذا المفهوم، مثل العمل الحزبي.
هنالك دراسات عربية تحدثت عن العنف الرمزي، لكن غلب عليها الجانب التاريخي أو التربوي، وهذا موضوع يستحق البحث والتحليل لعظم تأثيره في أوساط الشعوب العربية. وأيضا كي يتعرف المتابع ويميز بين العنف المشروع للدولة، والعنف المتجاوز والخارج عن السياق الشرعي، وليحمي نفسه منه. يقول بورديو: «لكي ينجح أحدنا في تغيير العالم، عليه تغيير الطريقة التي يصنع بها هذا العالم». وهنا تكمن أهمية الموضوع، فحلقات العنف الرمزي وضعت سياجا وحصونا، ومنعته من التغيير أو التفكير في التغيير، أو الجرأة عليه، بأعمق مما يفعله عنف الأنظمة المادي والمباشر. وبغض النظر عما يملكه الفرد أو القوى المدنية من قدرات لمواجهة الهيمنة، فكشف هذه الهيمنة ومعرفتها وإدراكها هو الخطوة الأولى أمامها.

وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...