الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
01:47 ص بتوقيت الدوحة

ما كان يُعرَف بـ «دول العالم الأول» قبل الجائحة

إبراهيم هاشم السادة
كما لم يكن من قبل، يبدو العالم كقرية صغيرة لا تملك من أمرها شيئاً أمام انتشار وباء «كوفيد-19»، ذلك الفيروس الذي عبر الحدود، واخترق أقوى التحصينات الأمنية، فأصاب رؤساء دول، وفتك بقادة جيوش، وغزا حاملات الطائرات، ووزارات الدفاع، وأرعب القوى العظمى على هذا الكوكب، واستنزف تريليونات الدولارات، وقيّد حركة الأفراد والجماعات، وفرّق بين الأسرة الواحدة، لا يفرق بين كبير وصغير، ولا أبيض ولا أسود، لا يكترث بضحاياه، ولا بما يملكون من مال أو جاه، تتلاشى في مواجهته أعظم القوى العسكرية والاقتصادية، كما تتلاشى الحدود الجغرافية، وتتساوى الجنسيات والأعراق، لا يستثني ديناً أو مذهباً أو عرقاً أو طائفةً، فالكل عند فتكه سواسية، حتى أصبحنا نتطلع لبارقة أمل من الشرق أو الغرب، لا أحد على هذا الكوكب إلا ويتمنى أن تعطف عليه الإنسانية بدواء ناجع يكبح جماح هذا الوحش الذي لا تراه العين.
هنا تبرز الحاجة للقيم الإنسانية الراسخة التي تجمع البشر وكأنهم في مركب واحد، إما أن ينجو الجميع أو أن يغرقوا لا سمح الله، وها هي الصين التي سجلت أول إصابة منذ أكثر من ثلاثة شهور وقد احتوت المرض في وقت قياسي، وبأقل الخسائر في الأرواح، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد السكان الهائل، مقارنة بإيطاليا مثلاً، التي خرج الوباء فيها عن السيطرة، وأصبحت منظومتها الصحية على وشك الانهيار إن لم تكن انهارت بالفعل، كما انهارت مثيلاتها في دول ما كان يعرف قبل الجائحة بالعالم الأول. أصبح لدى الصين وكوريا الجنوبية تجربة ناضجة وبيانات مهمة عن الجائحة، تلك البيانات تحتاجها باقي دول العالم، كي تستطيع أن تتفاعل مع الوباء بطريقة أكثر كفاءة، وها هي الصين تقوم بواجبها الأخلاقي، وتفتح أيديها للعالم، وترسل الوفود من الأطباء والمساعدات الطبية لمواجهة الوباء، في المقابل كشفت الأزمة عن هشاشة الاتحاد الأوروبي، وضعف التنسيق والتعاضد بين دوله، بل كشفت أيضاً عن ارتباك القرار السياسي الأميركي، وضعف منظومته الصحية في التخطيط لمواجهة خطر محتمل كهذا.
وبعد هذه التجربة المرعبة التي يأمل الجميع أن يسدل ستارها في القريب العاجل وأن يقف قطار الضحايا في أقرب محطة، أصبح العالم بحاجة ماسة إلى قادة أكثر حكمة وإنسانية، أكثر تعاوناً وإخلاصاً، يقدمون مصلحة الكوكب الذي نعيش فيه والذي أنهكته يد الجشع غير المسؤولة حتى تأثر مناخه، واختلت موازينه البيئية، بحاجة لحكومات تقدم مصلحة الإنسان وكرامته على المناكفات السياسية، والحسابات الاقتصادية، والأطماع القومية، وصراعات الجيوبوليتك، والمصالح الضيقة. يجب أن تعاد هيكلة العالم بالطريقة التي تضمن سلامة الإنسان ورفاهيته أياً كان على هذه الأرض، يجب أن تختفي الممارسات الاقتصادية النهمة والمشبوهة، تلك التي تكدس الثروات على حساب صحة الناس وأمنهم، ومستوى معيشتهم، يجب أن تتوقف مصانع الحرب والدمار والموت، وأن تعمل مصانع الدواء والغذاء لتهب الحياة والازدهار للبشرية.
يجب على الحكومات أن تفكر جدياً في بناء مجتمعات قوية ومتماسكة على أساس المواطنة الصالحة المسؤولة، مجتمعات تمد جسور المحبة والاحترام للعالم الذي تنتمي إليه وتحتاجه كما يحتاجها، وعليها أن تسوّق لما يعرف بـ «المواطن العالمي» وهو ذلك الفرد الذي يدرك العالم كما يدرك مجتمعه ولديه الشعور بالدور الذي يلعبه فيه، يحترم التنوع والقيم، يتحمّل مسؤولية تصرفاته ومعتقداته، ويكون على دراية بما ينبغي أن يكون، ويعمل ضد الظلم الاجتماعي، والفساد والاستبداد، ولديه القدرة والمهارة الكافية على المشاركة والتواصل مع مجتمعات العالم.
وللحديث بقية... إلى اللقاء

اقرأ ايضا

مهارات التواصل

10 مارس 2020

تأملات كورونية

24 مارس 2020

القفزة المقبلة

03 نوفمبر 2019

المفكرون والأزمات

07 أبريل 2020

أحوال الفكر الثلاثة

26 نوفمبر 2019