


عدد المقالات 81
لطالما اهتم النفوذ الثقافي للاستشراق بتكوين صورة للعرب عن أنفسهم. أوضحت كتابات الراحل إدوارد سعيد الارتباط الواسع بين المشروع الثقافي المعرفي للغرب، ونشاطه الاستعماري والإمبريالي منذ القرن التاسع عشر. رأى الاستعمار أنه يستهدف «تحديث البرابرة»، وإحياء حضارات انحلت وأجدبت، ومنها عالم الشرق الذي رأوا فيه بيئة خصبة، تاهت بين الشهوانية والاستبداد! وحتى اليوم، ظل العالم الغربي يعمل على إعادة تشكيل الذوات غير الغربية، لتتوافق مع طبيعة الذات الغربية. في الستينيات، كانت هناك موجة انفتاح جنسي في أميركا وبلدان غربية، وفي الثمانينيات والتسعينيات بدأ طرح مسألة الحقوق الجنسية على بقية العالم، عبر المنظمات الدولية، وتم ربط ذلك بالتقدم والسلوك المتحضر وغير المتحضر. ورغم أن أميركا ارتدت لاحقا عن موجة الانفتاح الجنسي، ففي العقدين الأخيرين أصبحت أكثر تحفظا من عقود سابقة، إلا أن موجة الهجوم على العالم (الآخر) لا تزال نشطة في استخدام هذه المفاهيم. اليوم هناك مرحلة جديدة في هذا الصراع، فيوم الجمعة الماضي، أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكما يشرّع للمثليين (الشواذ) حق الزواج في جميع الولايات الأميركية. وقد وصف الرئيس الأميركي أوباما أن هذا القرار، انتصار لأميركا، وانتصار للحب. وهذا القرار يعتبر خطوة تاريخية لدى منظمات متنوعة صارعت منذ الثمانينيات لتعميم الهويات الجنسية الغربية، وعولمة الأممية المثلية. يتعزز الانتصار اليوم لدى هذه المنظمات بعد أن أصبحت أميركا رسميا في صف الشذوذ. الخطر في أميركا، كما علق أحد المتابعين، يكمن في هوسها بتصدير ثقافتها. لاحظنا دليل ذلك فورا بعد صدور قرار زواج المثليين، حين رأينا علم القوس قزح أصبح رمزا للحرية، احتفت به كثير من شركات العولمة الأميركية، ككبرى الشبكات الاجتماعية في الإنترنت، وديزني، وصولا إلى البيت الأبيض وغيره من المؤسسات. ومن المتوقع أن تهتم أميركا بالترويج الثقافي له بعد أن تم تبنيه في الداخل كمبدأ. والأسوأ المتوقع أن يحقق القرار وظيفة سياسية لأميركا، التي طالما اتهمت الدول بالتخلف والتجاوز على حقوق الإنسان. سابقا، استخدم مسؤول في الخارجية الأميركية ملف المثليين بهدف التشهير بالحكومات الإيرانية. في كتابه «اشتهاء العرب»، يرصد جوزيف مسعد خطر الأممية المثلية، وأشكال التدخل الذي يقوم به أنصار الهويات الجنسية الغربية. في الثلاثين عاما الماضية، أصبحت عولمة حقوق المثليين من القضايا الملحة، حيث ساد خطاب يرى في الشواذ فئة موجودة في كل مكان في العالم، ويتبنى قضاياهم والدفاع عنهم. مارست المنظمات طوال عقدين الضغط على الأمم المتحدة ليتم تطبيق إعلان حقوق الإنسان على المثليين والمثليات (في منتصف 2011 اعتمد مجلس حقوق الإنسان أول قرار للأمم المتحدة حول حماية الهوية الجنسانية). يرى مسعد أن معركة الأممية المثلية ليست معركة معرفية تسعى للاكتشاف، بل معركة صراع سياسي محض يقسم العالم بين من يدعم حقوق المثليين، ومن يعارضونها، ص 243. لقد عملت «لوبيات الشواذ» في أميركا وكندا وأوروبا على اختراق المنظمات والمؤتمرات العالمية كمؤتمر السكان، ومؤتمر المرأة، لتمرير أجندتهم، وتجنيد المبشرين بها من دول العالم، عبر تقديم رسالتها من باب الحرية والديمقراطية وأنها مماثلة لحركات التحرر السياسي، وتحرير المرأة. تريد الأممية المثلية صناعة عالم على مقاسها، وترغب في أن تصنّف الناس، وألا يصنّفها ويسائلها الناس! مبروك عليها اليوم اصطفاف أميركا معها، ستكون هذه المعركة الثقافية اليوم، أشرس كثيرا من السابق. هناك اختلاف بين وجود الشذوذ في مجتمع، ووجوده كثقافة معتبرة يتم التشريع لوجودها، والحماية لها من التجريم. في التراث وفي الحاضر، وجدت لدينا هذه الممارسة، كما وجدت لدى غيرنا من المجتمعات. لكن مسألة وجود هذا الميل والجنوح في الشهوة لدى البعض، لا يعني التشريع والتبرير القانوني، والقبول بالتطبيع الاجتماعي معها، وكسر المعايير الأخلاقية والأعراف، كما ظن بعض المثقفين. هنالك فرق بين الجانب المعرفي والأخلاقي، فإن كان الغرب يعجبنا على مستوى التقدم والمعارف، فليس لازما أن يتعمم لدينا انهزام ثقافي من كل الجوانب، يدفعنا لتتبع درب الآخر الأخلاقي. علما أن الغربيين لا تختزل أخلاقهم فيما يعتمده البيت الأبيض ومؤسساته التشريعية أو مؤسسات وشركات الرأسماليين. حين قدم الفرنسيون إلى مصر، كان المؤرخ الجبرتي قد أُعجب بشغفهم بالعلوم، لكن في المقابل، وفي الجانب الأخلاقي، كتب عما رآه لديهم من إباحية وصفات فضائحية لا تليق بإنسان. لا يزال الغرب يذهب بعيدا في رغبته في إعادة تشكيل الآخر والحكم عليه، ولا نزال نذهب بعيدا في السماح له بذلك! • Azizf303@gmail.com
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...