


عدد المقالات 103
تسعة أشهر ما بين ميدان التحرير «1» وميدان التحرير «2». في الأول اجتمعت إرادة الملايين على إسقاط مبارك رمز النظام الذي سافر بالبلاد للخلف محققا أسوأ معدلات للتنمية، والذي فقدت مصر في عصره مكانتها الإقليمية، وخسر مواطنوها الأمان في وطنهم، وسكن الخوف في قلوب الناس وفي بيوتهم. فكان أن انفجرت الثورة منقضة على الخوف. وبينما انهار الخوف وهزمته ثورة المصريين في يناير، استمرت سياسات مبارك بيد خلفائه العسكر ممثلين في المجلس العسكري. ففي أغسطس اعترف المجلس العسكري بأن نحو 12 ألف مدني قد قدّموا في مختلف أرجاء مصر إلى محاكم عسكرية، في محاكمات بالغة الجور، بينما حكم على ما لا يقل عن 13 من هؤلاء بالموت. وفي مراجعتها لسجل «المجلس العسكري للقوات المسلحة» في مضمار حقوق الإنسان، تشير منظمة العفو الدولية في تقريرها الحديث إلى أن المجلس العسكري لم يف إلا بقدر لا يكاد يذكر من التعهدات التي قطعها على نفسه في بياناته العلنية العديدة التي أطلقها، بينما زادت ممارساته حيال بعض مجالات حقوق الإنسان سوءا. ففي الأسبوع الماضي وحده ومنذ اندلعت المرحلة الثانية من ثورة مصر قتل 42 شابا وأصيب ما يزيد عن ستة آلاف بينهم من سيظل فاقدا للبصر للأبد أو سيخرج من مشفاه مقعدا. هذا الإنجاز للشرطة المصرية المعزز بموافقة الجيش وربما بتعاونه لا يختلف كثيرا عن أداء الجيش السوري الذي قتل في أسبوعين فقط 400 مواطن، 17 منهم زهقوا جراء التعذيب. وفي اليمن أسقط جيش عبدالله صالح أكثر من 2195 يمنيا منذ بداية الثورة في فبراير وحتى منتصف شهر سبتمبر، وفقا لتقارير الأمم المتحدة. وليس بعيدا علينا ما سبق وأنجزته قوات الفرق الليبية التابعة للرئيس الليبي السابق معمر القذافي من أعمال القتل في المواطنين الليبيين مما يجعل ليبيا أكبر الدول العربية خسارة في مواردها البشرية، فالإحصائيات تشير إلى 12 ألف مواطن ليبي قد قتل على يد القوات العسكرية التابعة للقذافي والموالين له، فضلا عن جرحى يزيدون عن الثلاثين ألفا وفق تقديرات أحد قادة المجلس الانتقالي الوطني. ما يجمع بين كل الضحايا في الدول العربية هو «الجاني»، فالجاني في تلك الدول هو «قوات الأمن» سواء العسكرية ممثلة في الجيش أو الداخلية ممثلة في الشرطة.. القتلة هم من تأهلوا لكي يكونوا حماة المواطنين ونجدتهم في أوقات الخطر، هم من يفترض بهم تأمين حياة المواطنين لا اغتيالها. إن جهازي الأمن في دول الثورة وربما عدد آخر من الدول العربية قد اتفقا على حماية الأنظمة عوضا عن حماية المواطن، ففي مصر تحمي الشرطة المصرية هيبة الجيش، كما كانت تحمي سابقا نظام مبارك وتعمل كيد باطشة للسلطة في أي صورة كانت، سواء رئيس دولة أو مجلس عسكري حاكم. سقوط الشهداء والضحايا والثكالى والأرامل وغياهب الحزن الذي سقطت فيها آلاف الأسر العربية إثر فقد أو إصابة أحد أفرادها ليست هي الخسارة الوحيدة في دول الثورات، فخسارة ثقة المواطنين في الجيش أو في الشرطة يعني ببساطة العودة إلى عصور سحيقة مضت حين كانت مسؤولية المواطن تتضمن تأمين نفسه وعائلته وقبيلته، حين كانت المؤسسة الأم هي الأسرة والعائلة والقبيلة، وحين لم يكن هناك أجهزة معنية بالمواطنين في كيان تطور لاحقا وسمي «الدولة». إن فقد الثقة في حماة الوطن هو يُتْمٌ للمواطن، يتمٌ للمصري والسوري واليمنى، يتمٌ يحتم على المواطنين الاستقواء بحمل السلاح، والاستقواء ببناء جماعات للحماية تمهد لتكوين ميليشيات خاصة. لم تكشف الثورات العربية فقط عن حجم فساد حكام بعض الدول العربية، بل كشفت كذلك عن حجم الأخطاء والأزمات التي تعاني منها الدول العربية. إحدى تلك الأخطاء هو بناء أجهزة تنظر لأعلى حيث يسكن الحاكم ولا تنظر لأسفل حيث يقف المواطن منتظرا خدمته أو حل مشكلته أو لقمة عيشه، أجهزة تستقوي بسلطة الحاكم وليس بشرعية المحكومين. لكن هذا الخطأ ذاته هو الذي أسقط كراسي البعض منهم، فالمواطنون الذين يرفل ربعهم على الأقل في الأمية باتوا على وعي بأن تلك الأجهزة إنما عينت وحصلت على رواتبها من أموال ضرائبهم لخدمتهم هم، ليس لخدمة السلطة. لم تقتل ميادين التحرير في دول الثورات الخوف فقط، بل إنها رفعت أيضا من أصوات المواطنين ودلتهم على الساحات الواسعة إلى حيث يمكنهم إعلان مواقفهم بتحضر ووفق قواعد تتفق عليها دول العالم. جذبت الثورات المواطنين إلى ساحة الممارسة السياسية بعدما ظلوا مبعدين ومطرودين منها. لكن تلك الممارسة إنما تتطلب أيضا حماية تقع مسؤوليتها على أجهزة الأمن داخل الدولة، فلن يتمكن المصريون من التصويت في الانتخابات المزمعة اليوم بدون توفر الحماية، ولن تنتقل ليبيا واليمن ومن بعدهما سوريا إلى تلك المرحلة إذا ما ظلت مؤسسات الأمن منشغلة في إشعال الفتن وتمزيق أسس الأمن. الموقف الراهن في مصر ينبئ بصراع مرير مع أجهزة الأمن إن لم توقف حمق ممارساتها، وإن لم يخرج فيها عاقل ليهدئ من جنون أدائهم، فالمجتمعات العربية وبعدما تهدأ أصوات الثورات سيعود مواطنوها إلى منازلهم مستدعيين خسائرهم الصحية والاجتماعية، وسيكون الرئيس قد رحل، لكن مؤسسة الأمن ستبقى لتتحمل عبء تلك الخسائر والمرارات. فمن فقدوا أعينهم في تحرير مصر واليمن وسوريا وليبيا ما زالوا منشغلين بثورتهم، بعد أيام أو أشهر سيركنون إلى ذواتهم. وإن لم تكن الثورات قد أنجزت مطالبها فلهؤلاء سيكون دور آخر..
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...