


عدد المقالات 129
بدأت تعلو على سطح الأحداث أسئلة مهمة ولا شك، ونعتقد أن الإجابة العملية عليها تتمظهر من خلال ما نشاهده من هذا الإصرار الشديد لدى الناس والنخب السياسية والفكرية في تلك البلدان على بناء دول القانون والمؤسسات، والتأسيس الجدي للبناء الديمقراطي المدني التعددي المتين بعيداً عن روح العصبية الدينية وغير الدينية المتحكمة بكثير من مفاصل ومواقع العمل السياسي وغير السياسي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. هنا يكمن الحل الحقيقي الجوهري لمؤسسات الدولة كلها بما فيها المؤسسة الأمنية التي لاشك أنها تبقى أساسية هي وغيرها بالنسبة لأي مواطن، كونها يجب أن تعمل على ضمان أمنه، ومد مظلة وشبكة أمان مجتمعي عام فوقه، بشرط عدم التدخل في حياته وشؤونه وأعماله وخصوصياته، لابتزازه وتهديده.. وطالما أنها تحت سقف القانون والنظام القانوني العام في أي بلد، فستكون مؤسسات مفيدة مثمرة وستحظى بمحبة الناس الذين سيتعاملون معها بالقانون الناظم لعمل الدولة ومختلف مؤسساتها، ومن ضمنها المؤسسة الأمنية المكروهة والمتهمة والمدانة حتى الآن من قبل الفرد العربي. أمن الوطن يأتي فقط مع دولة العدل والحرية والمؤسسات وهكذا فعندما تبنى دولة المؤسسات والقانون التي يتنافس ويتسابق فيها الناس والمسؤولون والأحزاب لخدمة الصالح العام، يمكن أن تبنى رؤى جديدة لطبيعة عمل تلك القوى الأمنية، كما يتم ترسيم حدودها قانونياً بالكامل، لتصبح خاضعة للقانون وحكم المؤسسات، ومراقبة من قبل أجهزة الدولة الرقابية، ولا تأتمر بأوامر الأشخاص والأفراد المتنفذين هنا وهناك، ولتتم مساءلتها ومحاسبتها علناً وباستمرار أمام البرلمان أو غيره من المؤسسات الرقابية العليا. إن صياغة قانون جديد للأمن العام هو أكثر من مطلوب، بحيث يمكن من خلاله تنسيب الأفراد إلى هذه المؤسسة بطرق جديدة، على أن يتم إجراء دورات تدريبية حقيقية لرجالات الأمن في كيفية التعاطي الإنساني الحضاري مع الفرد-المواطن وليس الفرد-الرعية؟ كما يمكن أن تتحدد مسؤولية عمل تلك الأجهزة في بناء وإشادة مظلة أمان مجتمعية فوق المجتمع كما ذكرنا، لحماية الناس من أعداء الخارج، وعدم التدخل بمصائر وشؤون الأفراد والمؤسسات الداخلية، حيث إنه في هذه الحالة فقط يكون عمل تلك المؤسسات أقل تكلفة مادية ومعنوية للوطن والمواطن.. ومن خلال هذا القانون الجديد نضمن أيضاً خضوع رجالات ومؤسسات الأمن الذي لا نشك في ولاء ونزاهة ووطنية الكثيرين منهم لبلدانهم، للقضاء والقانون والمحاسبة والمساءلة أمام السلطات القضائية والتشريعية مثلهم مثل باقي الناس الموظفين في دوائر حكوماتهم بعيداً عن هذه الحالة المتفشية حالياً التي يراها الناس جميعاً، حيث تركت الساحة للكثير من تلك العناصر لكي يسرحوا ويمرحوا على هواهم في تدخلاتهم المباشرة في حياة الفرد والمؤسسات، فكانت النتيجة أن تلك الحالة من المناخ اللاقانوني وعدم ترسيم حدود وعلاقة الأمن بالناس والمؤسسات، قد سمحت لهم بالنفاذ الآمن السهل وغير الخاضع لأي معايير قانونية إلى صلب وتفاصيل عمل المؤسسات والشركات والمواقع الاقتصادية من أدناها إلى أعلاها، الأمر الذي ترتب عليه سلبيات كثيرة تركزت حولها وفيها كثير من قضايا وملفات الفساد التي أزكمت الأنوف هنا وهناك والتي تورطت بها تلك الأجهزة في غير مكان وزمان، ولم يترتب عليها محاسبة قانونية عادلة حتى الآن!. وهذه هي ربما النتيجة الطبيعية لهيمنة قوانين الطوارئ الاستثناء التي سادت لمراحل زمنية طويلة في بلداننا العربية، ولا يزال كثير منها قائماً بشكل أو بآخر، بحيث إنها جعلت من تلك الأجهزة ممسكة بتلابيب الدول وقابضة على أمرها وحياتها وموتها بصلاحيات (قانونية!!) واسعة لا حدود أو ضوابط لها، أي من دون وجود قوانين حقيقية وليس ديكورية شكلية تحاسبها وتسائلها، بل هناك فعلياً في بعض البلدان العربية قوانين ونظم تشريعية تحمي تلك الأجهزة والقوى الأمنية من المساءلة والمحاسبة إلا فيما ندر من حالات. لا أمن واستقرار بلا حرية فردية حقيقة ولا بد لنا من الإقرار هنا أن الأجهزة الأمنية العربية –التي شكلت الحامي والدرع الواقي لأنظمة الحكم السياسي العربي- تمكنت على مدار عقود من الزمن من تحقيق وتكريس معادلة سياسية مجتمعية تقوم على قاعدة الاستقرار في الاستبداد.. وهي نجحت في ذلك نجاحاً يحسب لها، حيث أسهمت تلك الأجهزة في تطويل فترة حكم أنظمة حكمها السياسية بالاستناد إلى تلك المعادلة القائمة على كم هائل من مفاهيم ووسائل الضبط والردع والكبت والقسر والضغط والفرض وكم الأفواه.. ونجاحها استند أيضاً على هذه المساومة والمفاضلة التاريخية بين بقائها كضامن للاستقرار أو رحيلها الذي سينتج الفوضى والخراب والدمار، ويفتح المجال للدخول في أجواء الحروب والصراعات الأهلية. ولكن التغيرات الجذرية التي شهدتها منطقتنا العربية زلزلت أركان تلك المقولة وأعادت الاعتبار من جديد لمقولة الحرية مع الاستقرار، وأكدت على جوهرية ومركزية الاستقرار والحرية والكرامة والعدالة والأمن كغايات نهائية لكل نضالاتها وانتفاضاتها العارمة.. وأن الفرد-المواطن لا الفرد-العبد هو جوهر الاجتماع الديني والسياسي، وأن الحاكم هو مجرد مواطن سلمه الناس السلطة، وبالتالي فهو في موقع الخادم لهم لحين من الزمان وليس لكل زمان، ووظيفته تنحصر في الحفاظ على مصالح المجتمع، وليس لسيطرة عليه أو الاستبداد بأفراده ونهب ثرواته وموارده. تقييد وقوننة عمل السلطة الأمنية إن كون الأمن جزءا مركزيا من منظومة السلطات العسكرية والبلدان ذات الطابع الشمولي المركزي، وهو معني بالمحافظة الكاملة عليها والدفاع المستميت عنها، وإخفاء عيوبها والتعمية على أخطائها، وتسمية الأشياء فيها بغير مسمياتها الحقيقية، في سياق دفن المشكلات والمعضلات الداخلية في تلك البلدان، والتظاهر بعدم وجودها عبر استخدام مختلف وسائل العنف والضغط والإكراه، نظراً لتداخل وتراكب وتجذر شبكات المصالح والمنافع وتبادل الأدوار والمواقع النفعية الشخصية والعلاقات الزبائنية في تلك البلدان على حساب مستقبل ومصالح الناس والمجتمع ككل، فلن تقوم لدولة القانون والمؤسسات والعدالة والمدنية قائمة بأي صورة من الصور، ولن يكون لوجودها أي معنى بالبعد المؤسساتي الحقيقي، لأنه وكما قالوا قديماً، «السلطة المطلقة، مفسدة مطلقة».. وهذه تعمي القلوب والأبصار، وتجعل كثيراً ممن هم في مواقع المسؤولية والقرار الأعلى في حالة من الخدر والسكر الشديد تفقدهم صوابهم وقدرتهم على اتخاذ القرارات الصائبة التي تعود بالنفع للصالح العام في كثير من الأحيان، خصوصاً إذا كانت لدى هؤلاء أساساً استعدادات للجنون والهوس الذاتي مثل صاحبنا «القذافي» أو «صالح» أو غيرهما. من هنا ضرورة وجود قوانين ونظم تضبط وتقيّد سلوك وحركة وعمل تلك المؤسسات الأمنية، وتلزمهم بالخضوع القانوني التام للسلطات التشريعية والرقابية والقضائية، وتجعل الإعلام الحر قادرا على الوصول الآمن إلى غرفهم السرية للكشف والتعرية والعرض والفضح أمام الرأي العام الذي من حقه الإطلاع الدائم عما يجري في مؤسسات شبه مخفية تعمل في الظل، ويصرف عليها المواطن من أمواله وضرائبه التي يدفعها للدولة. وهذه هي الفائدة الكبرى من فكرة توازن السلطات، وفصلها عن بعضها، ورسم معالم واضحة لحدودها وعملها، وأن يكون جميع الناس تحت سقف القانون والوطن وليس فوقه!!. في النهاية نؤكد ونذكر أن غاية المقالة هو تسليط الضوء على الخلل البائن القائم في العلاقة بين المواطن العربي وبين مختلف أجهزته الأمنية التي اشتغلت وتشتغل –في كثير من الأحايين- عليه بدلاً من أن تشتغل معه وتعمل لصالحه.. وهذه العلاقة للأسف لا تزال غير مبنية على القانون بل خاضعة لاعتبارات أخرى تتضارب فيها الأنظمة النافذة بقوانين الطوارئ بالحالة المزاجية لهذا الجهاز الأمني أو ذاك. من هنا حاجتنا الملحة لتصويب المسار، والبدء بزمن المحاسبة الحقيقية لتصحيح وقوننة تلك العلاقة لصالح الوطن والمواطن بما يضمن مشاركة الناس في بناء دولهم وعدم بقاء عنصر الخوف والرعب من تلك الأجهزة قائماً ومهيمناً على علاقة الناس بمؤسساتهم وبلدانهم. فرجل الأمن هو -في النهاية- إنسان ومواطن مثل باقي الناس، ولكن بالنظر لحساسية موقعه ودوره، لا بد من خضوعه التام والكامل للقانون والنظام والمؤسسات كي يكون عمله متوازناً ونافعاً للصالح العام وليس للنخبة فقط. ? ينشربالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» www.minbaralhurriyya.org
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...