alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

المال والكرامة

27 يوليو 2015 , 06:48ص

في شبه الجزيرة، كانت الأغلبية من سكان صحارينا المترامية، تدبر معيشتها يوما بيوم، كان الرعي الموصول بالتجارة أحيانا، مهنة تميل لها الطبيعة البدوية، وهذه الأخيرة كانت تتكبر على الزراعة والمهن الحرفية والصناعية. كانت الجزيرة في القرن العشرين تعيش مأزقا تاريخياً على المستوى الاقتصادي، فبعد تحول العالم إلى الاقتصاد الصناعي، لم تكن هناك بوادر استعداد للمضي في نفس الطريق، لكن الهبة الربانية التي تمثلت في الثروات المعدنية، أنقذت الموقف كله، بالمورد الذي أعاض عن كل الموارد. اكتشاف الثروة المعدنية، نقلنا إلى نمط الاقتصاد الريعي، والأخير أخذ يعمق الطبائع السابقة في الجزيرة، وأبعد من ذلك، وهب النخيل للموت، فلا يروى ولا يلقّح، وأضمر الصيد والزراعة، وجعل بعض الاحترافات التجارية المباشرة عارا يهرب منه الناس. لم تتعرض طبائعنا المستقرة في الخليج للدهس ولا الانصهار بسبب الحاجة الاقتصادية الملحة، فلم ننتحر بساعات العمل والإنتاج هربا من الجوع كما مجتمعات آسيوية، ولم نمر بهوية الصناعة والحرف، أو نجبر على الغربة والتمازج مع المجتمعات الأخرى كما حدث مع غيرنا. لذا الثقافة الرمزية التقليدية لدينا استطاعت البقاء والصمود، ويعاد إنتاجها وتجديدها اليوم كما هي. كان التفسير المادي لتاريخنا يرسب دوما، فقد حاول البعض أن يفسر التمرحلات العربية المهمة بكونها مادية الأساس، مثلما فعل فيصل السامر في كتابه «ثورة الزنج»، لكن الأدق أن تاريخنا كان رمزيا معنويا، فأيام العرب وحروبهم كانت تشتعل عبر إهانة للكرامات، وصراع بين المقامات، وكانت الأقوام ترتفع وتسقط عبر بيت شعر رمزي معنوي لا أكثر! كان العربي يعيش مثل شيخ قبيلته، ولا مظاهر تملك أو طبقية لافتة تحضر بينهم. لذا فالمادة وإن كانت تفسر تاريخ الصراع الطبقي في الغرب الذي أجاد ماركس تحليله، لم تكن مفسّرة جيدة لنظرية الصراع في تاريخنا. فكما يؤكد علماء السوسيولوجيا العرب، فإن الصراع في التراث العربي لم يكن بين طبقات، بل بين الحضارة والبداوة، وكان الصراع بينهما ثقافيا، حين كانت الواحدة تزحف على الأخرى وتصارع طبائعها ومفرداتها ومسلماتها. لم تصارع البلدان الخليجية في سبيل المال، ولم تشهد تلك التحولات العنيفة التي عانت منها بلدان أخرى في هذا العالم. التحولات في سبيل النجاح الاقتصادي جعلت الصين تتغير وتحول في منظومة قيمها الاجتماعية، وجعلت الدول الاشتراكية في أوروبا تفعل ذلك أيضا، وأماكن أخرى كثيرة في هذا العالم تغيرت. والصراع بين الاشتراكية التي عاشت عليها تقاليد العالم ردحا من الزمان، والطبيعة الرأسمالية للعولمة، راج حتى في أميركا، رسول الرأسمالية. ولو كان أحد يستطيع تجاوز هذا الجدل الطبيعي لكانت أميركا أول من يفعل. إن آخر نقاش مجتمعي سياسي ساخن شهدته أميركا، كان جدل الإصلاح الاقتصادي في الأشهر التي سبقت انتخاب أوباما لأول مرة. كان «روزفلت» أكثر سياسي ذكره أوباما في كتبه، ويعزو أحد الكتاب ذلك إلى أن أوباما كان يود تكرار تجربة روزفلت، وطمح في بداياته إلى تنظيم السوق وتدخل الحكومة فيه (اختفت أحلامه بالطبع). لقد ثبتت الثقافة التقليدية والمحافظة في الخليج بحسناتها وسلبياتها، لأن لها امتدادا قويا في التاريخ، وأيضاً، لأن المال سُخر لخدمة هذه المنظومة من القيم، وكافح عيوبها عنها. وللثقافة المعنوية والرمزية أثر في المجتمع يتجاوز المادي، هذه كانت فرضية الفيلسوف وعالم الاجتماع اليوناني كاستورياديس (1997-1922). ففي كتابه «تأسيس المجتمع تخيلياً»، انقلب على التفسير الماركسي المادي للتاريخ والذي قد تبناه مسبقاً، ورأى أن المجتمع يصوغ نفسه عبر شبكة من الدلالات المتخيلة، وأن المجتمعات البشرية تُشكل مِخيالها الخاص، وتبني رؤيتها الخاصة التي تتفاوت من مجتمع لآخر. وبحسبه تكون المخيلة هي المنبع الأساس لمؤسسات المجتمع وأفكاره وإبداعاته، كما أن الإنسان لديه ليس بحيوان عاقل، بقدر ما هو كائن متخيل. وهكذا نستطيع أن نقول إن المجتمع البائس يولد من مخيلة بائسة، والمجتمع المبدع الخلّاق يولد من أخرى خلاقة. لقد تجمع الغرباء بجوارنا في بابل، وأطلقوا حروبهم، مثلما اجتمعوا لـ «مؤتمر بابل» الأول الذي عقد في التاريخ القديم، واشتعلت بعده حروب في الممالك الشاسعة للإسكندر المقدوني بعد موته. إن عصابات العالم التي جُلبت لمنطقتنا اليوم، أشعلت عندنا الجنون الطائفي، والحروب، وشوهتنا بالعنف والإرهاب الذي قُرنت به مجتمعاتنا. لقد أنقذ المال المنطقة من أزمة مؤلمة في القرن العشرين، فهل نجيد استخدامه اليوم لإنقاذنا من أزمة جديدة، قد تصهر المنطقة وقيمها من جديد، وتذهب بالكرامة، في بعض ما تذهب به. ❍  @Azizalhies

وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...