alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

عليكم اللعنة وعلينا السلام

26 سبتمبر 2011 , 12:00ص

جلسوا على الجانب الأيمن. يختلسون النظر إلينا.عندما كنا نلتفت إليهم نجد رؤوسهم مثبتة على المتحدث وكأنما هم بالفعل قادمون للاستماع إليه. اخترنا مقاعد ناحية اليسار في قاعة الفندق نيلي الطلة.الهواء الهارب من الشتاء يرطب المكان. لكن النوافذ الكبيرة المغلقة في وجهه مكنتنا فقط من مشاهدة أوراق الشجر وهي ترقص بطفولة مع الهواء. أعادتني زميلتي إلى داخل القاعة بلمسة من يدها تنبهني إلى أن فيلم الفحص المشترك مازال قائما. تبادلنا الأدوار. بينما يدعون هم الإنصات. كنا نراقب، وحينما كنا ندعي الإنصات، كانوا هم يراقبونا. انتقلنا لاحقا أنا وزميلاتي من فحص جدية إنصاتهم إلى فحص ملابسهم. كانوا خمسة رجال متوسطي العمر. كلهم مطلقي اللحى وإن كانت مهذبة الأطراف قصيرة نسبيا. ارتدوا ملابس رسمية من دون إفراط. بينما تدلت سبحة من يد كل منهم. اقتربت مني صديقتي المحامية الجريئة وضحكت ضحكة مكتومة «أنت ملاحظة أن كلهم رجالة؟». ردَدت بسخرية «طبعا. الستات مخلوقة علشان تستناهم لما يرجعوا للبيت». على الجانب الآخر همس د.مصطفى في أذن صديقه قائلا «شايف بتوع العلمانية. معندهومش رجالة. باعتين ستات!! ودول حيفهموا إيه إن شاء الله؟!». تذكرت ذلك الإفطار الرمضاني القريب الذي جمعني بأفراد من أسرتي. حضرت أختي وابنة خالة لي تعيش بعيدا وأخرى لا كثيرا. لكنا لا نلتقي إلا في مناسبات العزاء والأفراح النادرة. على مائدة الإفطار كانت الأمهات تطعم أطفالهن الصغار. بينما الرجال مشغولون بتذوق الأطباق المفرودة أمامهم. انتهى الإفطار واسترخى الجمع العائلي يشاهد المسلسلات. تبادلت كل عائلة أخبارها مع الأخرى. وفي طريق العودة كانت السيارات التي تقلهم جميعا تشهد على تقرير لاذع لكافة من تناولوا معهم الإفطار: فالأطفال مدللون بصورة مزعجة. والنساء كسولات، بينما الرجال متخفيون في تعاليهم أو صمتهم أو اختراع ردود لا تعني أي شيء. مع وصول العائلات إلى منازلهم كان الصغار قد تلقوا درسا قيما في مراقبة الآخرين واكتشاف نقاط ضعفهم. بل واختراع أخرى أيضا. لم يتواصل أفراد العائلة إلا بقدر العناق المصطنع الذي تبادلوه لحظة الوصول ولحظة المغادرة. كنت قد تلقيت دعوة للمشاركة في ندوة حول «قبول الآخر وسبل العمل المشترك». قرر كلانا منذ اخترنا مقاعدنا ألا نعمل معا عملا مشتركا، ولا نقبل بعضنا بعضا. فهذا الآخر لا يفقه شيئا، كما أنه انتهازي يرغب في القفز على الثورة، فضلا عن تاريخه الفارغ، كما أنه... ظللت أعدد ما يمنعني من العمل المشترك. كما أني على اطلاع بأن الفريق الآخر يرانا مجموعة بشر ذات توجه غربي، متحررات ومتحريين، ندعو إلى دولة مدنية، ونتمثل المشروع السياسي الغربي متناسين عن عمد المشروع السياسي الإسلامي. وعليه «فعلينا اللعنة». في الطريق عدت أواجه نفسي: لماذا نفيت الآخرين ورفضتهم؟ ألست أنا من أدعو إلى الحوار؟ وأنا نفس الشخص الذي يتغنى بقبول البشر كما هم من دون إطلاق أحكام أو تصنيف؟ ألم أكن من بين من شاركوا في ميدان ضم كل الأطياف، وفرِح بصفاء السماء الحانية التي لم تتعلم التمييز وأشاع النور بالعدل من دون القفز في قلب أي إنسان لفحصه إن كان يستحق النور أو يستحق الجحيم؟ أين دروس الميدان التي ارتقت بي إلى درجة إنسانية أعلى؟ وما الرقي في نبذ الجالسين على مقاعد اليمين أو الوسط أو الأمام أو الخلف؟ في المدرسة الثانوية المختلطة اصطفت مقاعد للفتيات وأخرى للفتيان، بينهما ممرات تسمح للمعلمين بالمرور لضبط الأمن العام. كنا ننظر إلى الأولاد بغيظ وغيرة من حريتهم المطلقة وتمردهم المكشوف وفضائهم الشاسع الذي لا تحده سماء ولا أرض، بينما كنا نسير في مجموعات محتميات بأكتاف بعضنا البعض، ناظرات إلى الأرض تأدبا أو لحساب خطواتنا القادمة التي لا يجب أن تبتعد كثيرا وفق وصايا المنزل المقدسة. كنا بالنسبة لهم فتيات يميز بينهن الجمال فقط. لم يعرفوا عنا شيئا، ولم نعرف عنهم سوى غرورهم واستعراضهم الساذج وجنونهم الذي يتبارون في إظهاره طمعا في لفت الانتباه. كانت عقولهم خاوية وإنما أقوياء البنية. هذا ما كنا نعرفه. لم نتحاور أبدا. لم يجمع بيننا موضوع مشترك يكشف عن خبايا الإنسان في كل منا. لم نلتق فعليا أبداً ولم نتعارف. وحين اجتمعنا بعدما كبرنا في منزل كتب عليه منزل الزوجية كانت الطامة الكبرى. فقد التقت أجساد. بينما البشر ساكنو الأجساد لم تلتق من قبل ولم تعرف عن بعضها البعض إلا ما روج وشاع. في صلاة الجمعة أمس في المسجد المجاور لمنزلي، سمعت الإمام يتعرض بفظاظة للأقباط. وحين قابلته لأسأله ظن أني مسيحية وقال لي تعالي أدلك على الإسلام فربما ترين فيه خيرا. لم يتحدث مع من افترض أنها مسيحية، بل فورا شمر عن ذراعيه وبدأ يجذبني إلى أرضه. وكنت أظنه قادرا على فهم معنى أن يتحاور أناس مع عوالم مختلفة. لم أستطع أن أكيل له كل الغضب. فما سمعته منه سمعته في البرنامج التلفزيوني الشهير الذي استضاف بشرا متخصصين في كشف أخطاء الفريق الآخر الذي لا ينافسهم. وإنما فقط «فريق آخر»!!. سامحت أخوتي وعائلتي التي شاركتني الإفطار وسامحت نفسي قليلا. وغفرت لصديقتي التي تشاركني حلم قبول كل البشر عنادها ورفضها للزملاء الجالسين على مقاعد اليمين. لكني لم أتمكن من مسامحة مدرسينا ومذيعينا وشيوخنا وآبائنا الذين علمونا فن الجمود ورفض الآخر واستعداء كل من يخالفني. لم أتمكن من مسامحة كل من نسي أن البحر واسع والمياه تحمل الجميع من دون تمييز. فلماذا نبقى مختنقين في قواقع ضيقة بينما يمكننا أن نتعلم ونراقب ونفهم وربما نحترم آخرين يسبحون معنا في المياه الزرقاء التي خلقها الله لكل البشر.

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...