


عدد المقالات 129
ينظر دائما إلى التجربة المغربية باعتبارها أحد النماذج العربية التي استطاعت دمج الإسلاميين في مؤسسات الدولة. لكن لا يعني ذلك عمليا ترك هامش كبير أمامهم، بل يعني وضعهم ضمن نسق يستطيعون من خلاله التوهم بممارسة سلطة رقابية على السلطة التنفيذية (المعارضة من خلال البرلمان)، وإغرائهم في الوقت ذاته بإمكانية ممارسة سلطة تنفيذية لو تأتى لهم ذلك من خلال عملية انتخابية سلمية. يجب الاعتراف الآن أن 14 سنة من هذه التجربة (دخول العمل السياسي المؤسساتي) لم تستطع إيصال الإسلاميين إلى الحكم، بل احتفظت بهم في الهامش السياسي لمدة طويلة، بل لم يستطيعوا ممارسة أي سلطة تنفيذية وإن بشكل صوري لو لم يمهد الربيع العربي لذلك. لهذه التجربة سلبيات كثيرة منها تأجيل ما يعتقده المواطن البسيط – الذي يتحول إلى ناخب حاسم- مشروعا جديا وقادرا على رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية أمام مجتمع ينخره الفساد والريع والأمية والبطالة. لم يكن بإمكان خطط الدولة المخزنية أن تستمر إلى ما لا نهاية، فالربيع العربي الذي كنس الأنظمة الاستبدادية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، شكل عامل ضغط على السلطات لإجراء انتخابات شبه شفافة مكنت الإسلاميين من الفوز بربع مقاعد مجلس النواب، لكن ذلك لا يمكنهم عمليا من ممارسة السلطة التنفيذية لوحدهم، بل تقاسموا المناصب الحكومية مع أحزاب يمينية وأخرى ذات ماض شيوعي (حزب التقدم والاشتراكية)، ولا يشكل ذلك في هذه المرحلة عائقا أمام أي أحد لدافع براغماتي يجعل الملكية والحكومة والمعارضة معا، يضعون ضمن أولوياتهم النجاة من امتحان ضغط الشارع بأي ثمن. لا يعتبر الإسلاميون أنفسهم عموما أصحاب برامج حزبية، بل أصحاب رسالة تشريعية (سماوية). بإمكانهم رفض هذا الفكرة، لكن الشعارات الكبرى التي يحملونها تؤكد تلك الحقيقة التي بنيت عليها التنظيمات الإسلامية منذ بداياتها، ومنها شعار (الإسلام هو الحل)، وقد يكون شعار محاربة الفساد مضمرا لنفس المحتوى بلغة العصر. لكن برامج الإسلاميين الانتخابية التي يتم إعدادها في الساعات الأخيرة تشبه في مضمونها وتطلعاتها وأرقامها برامج جميع الأحزاب الأخرى. لقد لاحظنا جميعا كيف انحصر النقاش بين الأحزاب – بما فيها حزب العدالة والتنمية الإسلامي- خلال الحملة الانتخابية في الفرق بين درجات الأرقام التي يقدمها كل طرف لا في نوعيتها، فالكل يعتقد أن بإمكانه تحقيق رقم نمو معين وخفض معدل البطالة إلى مستوى معين. لكن الاستراتيجيات متوسطة وبعيدة المدى، في المجال التعليمي وتكوين القدرات البشرية وفي المجال الصناعي والثقافي وغيرها، يكاد لا يتحدث عنها أحد باعتبارها لا تشكل سؤالا انتخابيا. كما يعتقد الإسلاميون، مثل غيرهم، أن مجال الأوراش الكبرى يبقى من اختصاصات الملكية، ما سيفرض نوعا من التحدي المستتر لتجربة العدالة والتنمية في الحكم، إذ سينحصر مجال اشتغالهم في تدبير اليومي وفي مشاكل تسيير الإدارات العمومية ومواجهة احتجاجات المواطنين، وسيحرمهم من اكتساب القدرة على مواجهة من يعتبرون أنفسهم حملة المشاريع التي تمثل مستقبل البلد، والتي لا يجب أن يقترب منها أعضاء الحكومة الحزبيين. ستبرز العقيدة التكنوقراطية مع مرور الوقت كتحد حقيقي أمام أي حكومة لا تملك القدرة على مواجهة من هذا النوع، ويعد وجود وزير تكنوقراطي مكلف بالفلاحة والصيد البحري – ذي صفة حزبية في الحكومة السابقة – من بوادر هذا الصراع، فوجوده في الحكومة لن يكون دعما لها، ولكن سيبرز الدور الذي يلعبه أمثاله كمستشارين للملك أو كمديري مؤسسات عمومية كبرى في تدبير الملفات والصفقات والمشاريع الضخمة في البلد. على المستوى المؤسساتي، توجد الحكومة الجديدة أمام وضع غاية في التعقيد يحد من هامش المناورة لديها، فالدستور يبقي على اختصاصات واسعة للملك في مجالات رئيسية، وحكومة الإسلاميين لا تتوفر على الأغلبية التي تسمح لها بأفق مناورة أكبر، فهي تحمل في أحشائها ألغاما عديدة ستسمح من دون شك لمحيط القصر باستغلالها، هذا بالإضافة إلى حداثة عهد وزراء حزب العدالة والتنمية بالتسيير في الحكومة وضعف خبرتهم في مجال إدارة القطاعات الحكومية. رغم ذلك لم يجد أعضاء الحكومة من الحزب الإسلامي وعلى رأسهم رئيس الحكومة عملا يفتتحون به مسيرتهم غير إرسال إشارات مباشرة ومضمرة (تقليص النفقات وحسن تدبيرها، عدم المساس بالحريات الفردية، التأكيد على تحصين المكتسبات السابقة…)، ما يجعل أسئلة جوهرية تثار من قبيل: هل التركيز على البساطة والشعبوية يأتي كخيار تواصلي من لدن الإسلاميين بعد استشعار محدودية الأفق في القضايا الكبرى للبلاد؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد خيار تكتيكي يبعث من خلاله الإخوان رسائل مشفرة إلى من يهمهم الأمر، مفادها التميز والنوعية الذي تتسم به الحكومة الإسلامية، والطموح الذي يحدوها لإضافة قيمة نوعية إبان فترة حكمها؟ في سياق آخر، قبل أن نعرف نتائج هذه التجربة، فإن البعض يصر على إسقاط نجاح التجربة التركية على «الصحوة» التي تعرفها بعض البلدان العربية ومنها المغرب، الذي يتقاسم معها وجود حزب سياسي بنفس الاسم فقط لا غير، مع تسجيل اختلافات جوهرية بين الحزبين (النشأة، التطور، الأيديولوجيا...) من ناحية، وبين الدوليتين (تركيبة نظام الدولة، طبيعة المؤسسات، ...) من ناحية أخرى، فلا مقارنة إذن مع وجود الفارق. والمحصلة دولة أتاتوركية علمانية في سياق أوروآسيوي ذات أمجاد الإمبراطورية العثمانية، تختلف جذريا عن تراكمات الدولة المخزنية المغربية الشمولية في المجال الأفروعربي. ينضاف إلى ذلك أن حزب العدالة والتنمية التركي أسس نتيجة عملية نقدية حادة لتجربة الشيخ نجم الدين أربكان في الحكم والسياسة، قادها شباب العمل الإسلامي التركي بكل جرأة، فثاروا على الثوابت الحزبية، وقبلوا الانخراط في المؤسسات العلمانية لدولة تركيا، وبحثوا عن الاندماج الأوروبي الذي كان من ممنوعات التجربة الإسلامية السابقة لهم. هذه العملية النقدية لم تحصل في المغرب لدى التنظيم الإسلامي، مما جعله رهين التصور الدعوي ومتسلحا بزاده الفكري الراكد، ولم يتمكن حزب العدالة والتنمية طوال الفترة الماضية من ممارسة سلطة تنفيذية تؤهله للقيام بعمليات نقدية في الفكر والممارسة. كان بإمكان ذلك أن يغير كثيرا من قناعاتهم، إذ لا تخطئ عين الملاحظ التغييرات التي طرأت في فكر الحركات الإسلامية بعد ممارسة السياسة. وهي التغيرات التي راهنت عليها حتى الدول الغربية في تجربة حماس الفلسطينية. هذه العوامل مجتمعة تجعل وجود العدالة والتنمية الإسلامي المغربي محكوما بإكراهات متعددة، منها ما هو ذاتي مرتبط ببنية التنظيم وفكره، كمشكل البرنامج الحزبي والتصور السياسي لدولة القانون، ومنها ما هو موضوعي مرتبط ببنية الدولة المخزنية المغربية التي تحسن التكيف مع الأزمات وتلتهم الأيديولوجيات الحزبية، كما حصل سابقا مع حزب الاتحاد الاشتراكي في تجربة حكومة التناوب. ولن يتبقى للديمقراطيين من انتظارات ربما غير ما ستسفر عنه هذه التجربة من احترام للدستور والمؤسسات – رغم ضعف استقلاليتها-، ومن ترسيخ لمبدأ التناوب على السلطة وتوزيع حقيقي للسلطات بين كل المتدخلين (الديمقراطية) ثم الحد من سلطة الدولة شيئا فشيئا (الحرية). ينشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...