


عدد المقالات 124
لم يكن العدل في حياة هذه الأمة المحمدية الخاتمة مجرد مُثلٍ عُليا، أو وصايا تفخر بها دون ممارسة، أو تطبيق، ولكنه كان واقعاً عاشته هذه الأمة، ومارسته، وطبَّقته في واقع حياتها على مر تاريخها الطويل، وعلى تفاوت في ذلك التطبيق بين زمان وزمان، ودولة، وحسب اشتعال جذوة الإيمان في قلوب الحاكمين، وخبِّوها، غير أن ما يقطع به: أنه لم يخل زمانٌ ممَّن يقيم الحق، والعدل، ويقوم بالقسط، ويحكم به من هذه الأمة.
وحسبنا أن نذكر فيما يلي صوراً من عدل هذه الأمة فيما بينها، ومع أعدائها وخصومها، وأهل ذمتها، وسنختار هذه الصور من واقع الأمة من خلال تاريخها الطويل؛ ليعلم: أن هذه الأمة لم تزل قائمة بالقسط بين الناس، شاهدة به على الناس لله، وأنها جديرة بأن تكون الأمة الوسط الشاهدة على البشرية. وأولى هذه الصور نعيشها مع سيد الخلق، وإمام العالمين نبيِّنا محمد (ص) إمام هذه الأمة، ومعلمها الخير، وهو يضرب أروع الأمثلة، ويلقن أمته أبلغ دروس العدل، والإنصاف، والمساواة. (وسطيَّة أهل السنة بين الفرق، د. محمد باكريم (168)
فها هو ﷺ يُقِيْدُ أحدَ أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقِدْح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال: روى ابن إسحاق أنه ﷺ: (عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر «بسواد بن غزية» وهو مُسْتَنْتلٌ من الصف، قال ابن هشام: ويقال: مستنصل من الصف ـ فطعنه في بطنه بالقدح ـ وقال: استوِ يا سواد! فقال: يا رسول الله أوجعتني! وقد بعثك الله بالحق، والعدل، فأقِدْني! فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: «استقِدْ». قال: فاعتنقه، فقبل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟!» قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدك! فدعا له رسول الله ﷺ بخير). (سيرة ابن هشام (1/ 626))
وجاء يهوديٌّ يشتكي إليه أحد أصحابه قائلاً: يا محمد! إنَّ لي على هذا أربعة دراهم؛ وقد غلبني عليها. قال: «أعطه حقَّه»، قال: والذي نفسي بيده، ما أقدر عليها، قد أخبرته: أنك تبعثنا إلى خيبر، فأرجو أن تغنمنا شيئاً، فأرجع فأقضيه! قال: «أعطه حقه». وكان رسول الله ﷺ إذا قال ثلاثاً لم يراجع... [أخرجه أحمد (2/ 423)]
وكان ﷺ يقيم حدود الله على من وجب عليه ذلك في عدلٍ، وإنصافٍ، لا تأخذه في ذلك لومة لائم، ولا قرابة قريب، ولا مكانة شريف، فها هو (ص) وهو الصادق المصدوق البار في قسمه يقول: لو أن ابنته سرقت؛ لأقام عليها الحدّ، لا يدفعه عنها كونها ابنة محمد (ص).
وأخرج الإمام البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها: أنَّ قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلِّم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترأ عليه إلا أسامة حبُّ رسول الله ﷺ فكلم رسول الله ﷺ فقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» ثم قام: فخطب، فقال: «يا أيها الناس إنما ضلَّ من كان قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق الشريف؛ تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم؛ أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطع محمدٌ يدها!». [أخرجه البخاري، رقم 6788)]
فإن قيل: هذا محمد رسول الله ﷺ وليس غريباً منه هذا العدل، ومن يعدل؛ إن لم يعدل هو؟
قلنا: وهذا رجل من أصحاب رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يهتدي بهدي رسول الله ﷺ فيقيم العدل، والقسط بين الناس، يحكم بالحق لرجل يهودي على مسلم، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه، والحيف عليه. أخرج الإمام مالك ـ رحمه الله ـ من طريق سعيد بن المسيب: (أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختصم إليه مسلم، ويهودي، فرأى عمر: أن الحق لليهودي، فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق!). (الموطأ: كتاب الأقضية، (719) رقم (2))
وكان رضي الله عنه يأمر عماله أن يوافوه بالمواسم، فإذا اجتمعوا؛ قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، إنما بعثتهم؛ ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام، فقال: يا أمير المؤمنين! إن عاملك فلاناً ضربني مئة سوط! قال: فيم ضربته؟ قم فاقتصَّ منه! فقام عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أَقِيْدُ؛ وقد رأيت رسول الله يُقِيْدُ من نفسه! قال: فدعنا فلْنُرْضِه، قال: دونكم فأرضوه، فافتدى منه بمئتي دينار كل سوط بدينارين. وإن لم يرضوه؛ لأقاده، رضي الله عنه. (الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 293 ـ 294))
وجاء رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرٍو بن العاص واليه على مصر قائلاً: يا أمير المؤمنين! عائذ بك من الظلم، قال: عذت معاذاً! قال: سابقت ابن عمرو بن العاص، فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أتسبقني؛ وأنا ابن الأكرمين؟! فكتب عمر إلى عمرٍو ـ رضي الله عنهما ـ يأمره القدوم، ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب! فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين، قال أنس: فضرب، فوالله لقد ضربه؛ ونحن نحب ضربه، فما رفع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه! ثم قال عمر للمصري: اصنع على صلعة عمرٍو! فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني؛ وقد اشتفيت منه، فقال عمر لعمرٍو: مذ كم تعبدتم الناس؛ وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم، ولم يأتني! (فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم (225 ـ 226))
فانظر إلى هذه المواقف الرائعة لعدالة هذه الأمة، رجل من عامة الناس، وفي رواية: أنه ذمي من أقباط مصر، يتظلم، فيعطى حقه، ويقاد من ابن الأمير، يجاء به وبأبيه ليعطى الرجل حقه وينصف، ثم انظر إلى الحاضرين من أصحاب النبي ﷺ كيف أحبوا ذلك، وأيدوه: (فوالله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه) لا تشفياً منه، ولا شماتة بعمرٍو، وابنه، فالقوم فوق ذلك، وأبعد ما يكونون عن التشفي، والشماتة، ولكنهم جيل أحبَّ العدل، وعاشه، وتربى عليه على يد رسول الله ﷺ لذلك فهو يبغض الجور، ولا يحب رؤيته في الأمة؛ ولو كان رجلاً مخالفاً لها في عقيدتها ودينها وشرعها، ويفرح أشدَّ الفرح لرؤية العدالة ترمي بجذورها في أعماق الأمة؛ ليؤخذ حق ضعفائها وأتباعها من أقويائها.
فإن قيل: هذا الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق، ومثله خليق بإقامة العدل في رعيته.
ويبين لنا هذا النص كيف كان قضاة المسلمين يصدرون أحكامهم العادلة فيما يعرض عليهم من قضايا في حرية تامة.
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل...
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية...
الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله...
لا تكتمل قراءة تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، بالحديث عن الاقتصاد والسياسة الخارجية ومشروعات التنمية وحدها، لأن هناك جانب عرفته عن قرب، وهو يتعلق باهتمامه بالعلم والتاريخ، وعلاقته بالعلماء...
مثلت السياسة الخارجية والدبلوماسية في الوساطة والعمل الإنساني أحد جوانب رؤية سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، فقد انتقلت قطر خلال عهده إلى حضور أكثر نشاطاً في القضايا العربية والإقليمية...
لم يقتصر التحول الذي شهدته دولة قطر في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله)، على الاقتصاد والبنية الأساسية، فقد رافقه اهتمام واضح ببناء الإنسان وتوسيع فرص التعليم والبحث العلمي وتطوير...
حين نتأمل مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، فإننا نقف أمام تجربة ارتبطت بمرحلة مهمة من تاريخ قطر الحديث، انتقلت فيها الدولة إلى طور جديد من البناء والتنمية والحضور في...
أقام إبراهيم عليه السلام الحجة العقلية والشرعية على بطلان عبادة الأصنام، وكشف زيف المعتقدات التي أحاطها المشركون بهالة من القداسة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...
يمثّل القاضي محمّد بن إسماعيل العمرانيّ واحداً من آخر كبار العلماء الذين حافظوا على المرجعيّة الدينيّة التقليديّة ذات الامتداد الاجتماعيّ الواسع في اليمن، وقد امتدّت حياته قرابة قرن من الزمن، شهدت الخلافة تحوّلات سياسيّة واجتماعيّة...
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ - رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناه، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة،...
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في القافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا...
كتب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي (رحمه الله) كتاباً من أعظم الكتب في القرن الماضي في (السنة ومكانتها في التشريع)، وهو من الكتب التي شكلت لي مرجعية مهمة في الرد على الشبهات والأغاليط والأكاذيب التي نشرها...