الجمعة 12 ربيع الثاني / 27 نوفمبر 2020
 / 
11:35 ص بتوقيت الدوحة

حوار مع صديقي الملحد؟

د. سعيد حارب
هل أنت كاثوليكي؟ هكذا فاجأني المتحدث في الملتقى الذي كان يدور حول فكرة «الدين.. هل هو حاجة؟» أجبته: لا.. بل أنا مسلم، قال: لكنك تناقش كما لو كنت مسيحياً، قلت: إن ذلك يعود لسببين، أولهما بحكم اختصاصي العلمي ثم اهتمامي بدراسة الأديان والحوار بينها، أما الأمر الثاني فراجع لأني أؤمن بالمسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام، رفع أحد حاجبيه ثم قال: ألم تقل: إنك مسلم؟ كيف تكون مسلماً وتؤمن بالمسيحية؟! قلت: الدين الإسلامي لا يمكن أن يقبلك مؤمناً به ما لم تؤمن بعيسى وموسى وبرسالاتهم وكتبهم، بل يجب عليك أن تكون مؤمناً بالأديان الإلهية كلها حتى تكون مسلماً، قال: ماذا تقصد بالأديان الإلهية.. هل تقصد السماوية؟ قلت: لا يوجد شيء اسمه أديان سماوية، فالسماء جهة جغرافية كالأرض والشمال والجنوب وغير ذلك، لكن الأديان التي أنزلها الله هي أديان إلهية باعتبار أن المنُزِل هو الله سبحانه وتعالى، أو هي أديان رسالية باعتبار أنها تحتوي على رسالة، صمت برهة فسألته: وما الدين الذي تؤمن به، ابتسم ابتسامة خفيفة وحك رأسه من الخلف ثم أشار بإصبعه إلى رأسه وقال: أؤمن بالعقل أما الدين فلم أقرر بعد شيئاً بشأنه؟!، قلت: إنك تجاوزت الستين فماذا تنتظر؟ ابتسم مرة أخرى وقال: لأني لا أجد حاجة للدين؟ فما حاجتك أنت له؟ قلت له لأني أخطط للمستقبل!! تدخلت إحدى المشاركات في الحوار وقالت: ما علاقة الدين بالمستقبل، قلت: إن كل الأديان الإلهية منها والبشرية تتحدث عن الحياة بعد الموت، وقد تعلمنا في الاستراتيجيات أن الخطط أنواع، خطة قصيرة المدى وخطة بعيدة المدى، وغالباً ما تكون الخطة قصيرة المدى، مُهيِئة للخطة بعيدة المدى، وما أؤمن به أن الخطة بعيدة المدى هي ما بعد الموت، أما الحياة فهي الخطة قصيرة المدى، وبقدر إعدادنا في الخطة الأولى ننجح في الخطة الثانية، تدخل المتحدث مرة أخرى وسأل: ما الذي يجعلك تؤمن بأن هناك حياة بعد الموت؟ ابتسمت وأشرت بإصبعي إلى رأسي وقلت: العقل! ابتسم هو أيضاً وكأنه فهم أننا نتحاور بنفس الأدوات، عاجلته بسؤال: ما أعلمه أنك أستاذ جامعي، فهل تعطي جميع طلابك وطالباتك نفس النتيجة في آخر الفصل الدراسي، قال: لا بل كل بحسب اجتهاده واجتيازه الامتحان، قلت: وهل تعتقد أن الناس بعد أن يتعلموا ويعملوا ويجتهدوا خلال حياتهم التي تمتد لسنوات طويلة يستحقون في النهاية نفس النتيجة! قال: ولكن الناس يأخذون نتائجهم بقدر أعمالهم، قلت: وماذا عن الذين لم يحصلوا على نتائجهم رغم اجتهادهم، ألم تشعر يوماً بأن ظلما وقع عليك، أو أن أحدهم أساء إليك دون أن تسترد حقلك، أو أنك تجتهد وتبذل أقصى طاقتك، ثم يأتي من يسلبك حقك كما يقع على شعوب كثيرة في العالم، حيث يسلب حقوقهم المتسلطون ورجال الأعمال الجشعون والبنوك المتسلطة، ألا تشاهد ما يجتاح العالم من مطالبات بالعيش الكريم بل أحياناً بتوفير أدنى المستويات من العيش، هل يمكن للفقير أن يعيش فقيراً وتنتهي حياته مع فقره، فمن يعطي هؤلاء حقوقهم إذا عجزوا عن الحصول عليها، ألا يفترض العقل أن هناك سلطة عليا عادلة عدلاً مطلقا تعطي الناس «نتائج» اختباراتهم في الحياة، أم تقترح عليهم أن يعيشوا مظلومين محرومين ويموتوا كذلك؟ قال: إن القانون يفصل في الأمر، وبإمكانهم اللجوء إلى القانون لأخذ حقهم، قلت: وماذا لو عجز القانون عن ذلك، أو تجاوز البعض هذا القانون هل يضيع حق المحروم، قال: وما فائدة أن ينتظر حتى يموت ثم يحصل على حقوقه، قلت: إن الأديان لا تطلب من الإنسان أن يستسلم وينتظر أن يستلم حقه بعد موته، بل تأمره أن يتبع الوسائل المشروعة للحصول على هذا الحق، لكن «الرسالة» ليست موجهة لأصحاب الحقوق وحدهم بل للجميع، فالذين يظلمون الناس أو يسيطرون بطريقة غير مشروعة على أموالهم أو الذين يقتلون أو يرتكبون الجرائم كل أولئك يخضعون للمسائلة بعد الموت، فإذا آمنوا أن هناك «نتائج» لما فعلوه في حياتهم فإنهم سيمتنعون عن جرائمهم أو ستقل دافعيتهم لها، تصور لو أن البشر لا يؤمنون بالحياة بعد الموت وبأنهم سيعيشون حياة سعيدة بعد موتهم، كيف ستكون حياته متوحشة، لأنهم سيحاولون أخذ حقوقهم بكافة السبل، قال: لكن إيمان الناس بالأديان لم يمنعهم من ارتكاب المخالفات والجرائم؟ قلت: ألم تقل إن القانون يكفي، فلماذا لم يرتدع الناس بالقانون عن ارتكاب الجرائم، ألا تؤمن أنت بقوة القانون، ثم سألته مازحاً ألم تخالف القانون يوماً ما، ابتسم وقال: عدة مرات قليلة لكنها مخالفات صغيرة، قلت: وكذلك المؤمنون بالأديان يرتكبون المخالفات لكن الذي يفصل بينهم في الحياة هو القانون، وبعد الموت يفصل الله بينهم!! تذكرت هذا الحوار الذي مضى عليه سنوات وأنا أقرأ تقريراً عن الإلحاد في عدد من الدول، وكانت المفاجأة أن بعد الدول العربية الإسلامية تجاوزت فيها نسبة الإلحاد %6 وقام بالدراسة معهد WIN-Gallup International)) وهو غير معهد جالوب في واشنطن وهو المعهد المعروف بدراساته!! لكن لم تتحدث الدراسة عن تعريفها للإلحاد أو كيف تم التعرف على نسبة الإلحاد في كل دولة، خاصة أن بعض الدول التي جاءت في التقرير تمنع القيام بإحصاءات لمثل هذه الدراسة، كما أن هناك مفارقات في أن بعض الدول الغربية أكثر تديناً من دول اشتهرت بمحافظتها الدينية!! لذا يبدو أن مثل هذه الدراسات التي تصدر من جهات غير مشهورة تحاول أن تمرر فكرة بالأرقام لتؤكد ما تريد أن تمرره، وهي لعبة يتلقاها البعض بالاندهاش والتأكيد وبالفرح أحيانا!! لكن يبقى أن الإلحاد موجود منذ أن عاش الإنسان على الأرض، ولا يمكن مواجهته إلا بالحوار والمناقشة، كما فعل الدكتور مصطفى محمود رحمه الله في كتابه الذي جعلته عنوانا لمقالي هذا.

اقرأ ايضا

ماذا سنرسل لهم؟

14 مايو 2012

العمالة.. خطوات نحو الحل!

11 فبراير 2013

تركيا.. عقد من التحولات

12 يونيو 2011

القشرة!!

22 أكتوبر 2012