نحن والبُعبع الإيراني
20 أكتوبر 2011 , 12:00ص
من جديد، أثارت قضية المحاولة الإيرانية لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة الأميركية، الحديث عن الخطر الإيراني الداهم لمنطقتنا، وما يصاحب ذلك من بروباغندا من قبل «المهولين» لهذا الخطر أو «المهونين له».
وبغض النظر عن صحة الاتهامات الأميركية لإيران من عدمها، فإنه ومن غير المنطقي أيضا، أن يرفع البعض عقيرتهم ويرفضون كل تلك الاتهامات جملة وتفصيلا، وكأن إيران «منزهة» عن مثل هذه الأفعال، وأيضا ليس من المعقول أن يضع البعض تلك الاتهامات القادمة من بلاد العم أوباما على أنها كلام مقدس يجب أن نصدقه ونأخذه كله هكذا.
أعتقد أن أصعب المواقف تلك التي تتسم بالوسطية في التعاطي مع الأحداث، وأيضا تتسم بالواقعية، وأسهلها تلك المتطرفة التي ترى بعين واحدة، تشاهد فيها ومن خلالها ما تريد هي أن تشاهده وليس ما هو واقع فعلا.
إيران تدرك جيدا أنها تعيش في منطقة ملتهبة، ولعل واحدا من أسباب التهاب تلك المنطقة إيران ذاتها، التي تدرك أيضاً أن علاقاتها مع الجوار العربي في أسوأ أوضاعها، خاصة بعد الثورة السورية المباركة، ناهيك عن التلويحات والتصريحات الأميركية، بغض النظر عن جديتها من عدمه، لذلك فإن ساسة طهران يحاولون أن يلعبوا بطريقة الدهاء الفارسي المعهود، لعبة كبار يفقهها جيدا الإيرانيون.
منذ أن خرجت الاتهامات من دوائر القرار الأميركي، والتصريحات التي تأتي من إيران متناقضة بل ومتقاطعة، فتارة تكذيب بالمطلق، وتارة تهديد ووعيد وصل إلى حد قول أحد ساستهم إن إيران قادرة على احتلال السعودية بسهولة ويسر، وتارة أخرى وثالثة مسعى إيراني لدراسة القضية والطلب من واشنطن وضع طهران في تفاصيل وملابسات القضية.
الرئيس الإيراني أحمدي نجاد نفى كل تلك الاتهامات في حديثه الأخير مع الجزيرة، وأكد في الوقت نفسه رفض بلاده لما يسمى بـ «الإرهاب»، وهنا لا بد من التذكير أن الإرهاب في نظر نجاد يختلف عن مفهوم الإرهاب العالمي، فإيران لا تسمي اغتيال الأعداء من وجهة نظرها «إرهابا»، وأيضا لا تسمي تدخلها في الشأن العراقي واغتيال معارضيها إرهابا، ولا التفجيرات التي تطال مناطق في عموم العراق خدمة لأهدافها إرهابا، ولا دعم نظام مثل نظام بشار الأسد إرهابا، وطبعا لا داعي للتذكير بالسجل الإيراني الحافل في هذا المجال.
لقد أدركت إيران وعقب حربها مع العراق إبان ثمانينيات القرن المنصرم، أن القتال انطلاقا من أراضي الوطن أمر غير محمود العواقب، فهي بلد واسع وشاسع مترامي الأطراف، متعدد العرقيات، مختلف القبائل والأيدلوجيات، والعرقية الفارسية الحاكمة لا تشكل أكثر من %35 في أحسن الأحوال، وبالتالي فإن ذلك يعرضها لهزة قد لا تقوم منها أبدا، فاختارت القتال في أرض الآخرين، وهو أمر يمنحها فرصة أكبر لتسجيل النقاط دون أن يؤثر على داخلها الهش المتآكل والمتذمر من حكم الإسلاميين.
الرئيس الإيراني في حواره مع الجزيرة قال إنه لا عودة لحكم الشاه، وهو أمر نتفق فيه معه، فلا أحد من دول المنطقة يريد عودة حكم الشاه، فإذا كان لحكومة طهران اليوم مواقف مأزومة ومصعدة مع الجانب العربي، فإن حُكما على شاكلة حكم الشاه سيكون أكثر ضررا على المنطقة من الحكم الحالي، ولكن على إيران أن تعي أيضاً أن هناك حالة من الكُره لدى دول وشعوب المنطقة لسياساتها، وبالتالي فإن عليها أن تعيد النظر في كل ما تقوم به من أعمال وتدخلات في دول المنطقة، إن رغبت فعلا بالهدوء.
ولعل البعض يتساءل: ما الذي ستجنيه إيران من اغتيال سفير السعودية في واشنطن؟ ألم يكن بالإمكان أن تفعل مثل ذلك في العديد من الدول الأخرى التي تقل فيها الإجراءات الأمنية عن تلك السائدة في الولايات المتحدة الأميركية منذ تفجيرات سبتمبر عام 2001؟
ببساطة، اغتيال سفير مثل عادل الجبير في واشنطن، ومن ثم خروج بيانات من الفرع القاعدي التابع لإيران بتبني العملية، سيكون له مردود كبير على واقع المنطقة والولايات المتحدة الأميركية تحديدا.
وهنا أذكر بتصريحات سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية تعقيبا على حادثة الاغتيال، عندما قال إن إيران تستخدم مثل تلك العمليات لترهيب الدول، وهو يعني كل حرف مما قاله، فسجل إيران أكبر من أن تضمه هذه العجالة.
إن الاختيار الإيراني للهدف والزمان والمكان، لم يتم بشكل عشوائي، وإنما كان مدروسا بشكل جيد. مكاسب إيران من ورائه أكبر من أن تعد، فهو سيكون رسالة لكل من الولايات المتحدة والسعودية، بأن هناك قوى قادرة على اختراق حتى أعتى الأساليب الأمنية، وهو أيضاً رسالة إلى أطراف ودول أخرى، بأن هناك من يمكن أن يصل إليكم، وهنا تبدأ عملية التفاوض والتقايض التي تجيدها إيران، وما أحوجها إليها في هذه المرحلة، حيث يتعرض حليفها ورئتها في المنطقة -نظام الأسد- لهزة كبيرة لا يبدو أنه قادر على الصمود بوجهها.
وعلى ذكر فرع القاعدة الإيراني، فهو ليس من مستحدثات الأمور ولا من عجائب الأحوال كما قد يعتقد البعض، فتصريحات مدير المخابرات العراقية السابق عبدالله الشهواني الذي استقال قبل نحو عامين، تؤكد ما نقول، فالشهواني تحدث وبصريح العبارة عن وجود معسكرات إيرانية على الحدود مع العراق لتدريب عناصر من القاعدة، وهي التي تمول وتخطط وفي بعض الأحيان تسهل المهام للعديد من التفجيرات التي جرت وما زالت تجري في العراق.
وأيضا لا بد من التذكير أن هناك فرعا آخر للقاعدة تابعا للنظام السوري، استخدمه في العديد من العمليات داخل العراق، وهذا أيضاً باعتراف عدد من ضباط المخابرات العراقية الحالية.
أنا أصدق أن إيران قد خططت لاغتيال السفير السعودي، قد أختلف في تفاصيل العملية التي عرضت والتي سعت من خلالها الولايات المتحدة إلى تحقيق مكاسب وضرب عدة عصافير بحجر واحد، وهو ما يجعلني أتحفظ على بعضها.
بالمجمل، لا أعتقد أن الكشف عن تفاصيل العملية هو تمهيد لعملية عسكرية قد تقوم بها إسرائيل بغطاء أميركي، كما يحلو للمتوهمين أن ينظروا، وإنما هي «جرة أذن» أميركية للدخول في مقايضات أخرى مع نظام طهران، نتمنى ألا تكون على حسابنا، نحن الذين ما زلنا نتلمس الطريق للدخول في «لعبة أمم».