


عدد المقالات 18
إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود) المسببة للظلم والصراع والعنف- سيجعل من سيادة الشعوب ضرورة حتمية، لما تمثله رعونة تفويض الديمقراطيات إمكانية السلم والحرب لحكومات لا مسؤولة. وتبقى إمكانية استرجاع الشعوب للسيادة الدولية مسألة مثالية نوعاً ما، ولكنها ليست مستحيلة. فكلما ازدادت حيوية تهديد أمن الشعوب اتساعاً، بفرض مصير مشترك للإنسانية، أدت إلى وعي بضرورة التفكير في كيان عالمي جديد. فلم يعد مقبولاً اعتبار أن السلام العالمي رهين بالشرعية الديمقراطية، وأن افتراض أن الديمقراطيات لا تحارب بعضها، أكبر مغالطة تاريخية، فما تدعيه العقلانية السياسية من حتمية هيمنة القوة والمصلحة في العلاقات بين الدول، التي وصفها "شبنلجر" بأنها عقلانية فقدت صوابها، عقلانية كشفت عن حقيقتها بتحالفها مع القوة والعنف، وتخلت عن شرطها الإنساني الأخلاقي. وبشكل أكبر راديكالية يعتبر "أغامبين" أن الدول الديمقراطية أيضاً تمارس أنواعاً متعددة مما يمكن أن نطلق عليه "الشمولية الحديثة". فإن الحاجة إلى عدالة إنسانية، تتأسس على مبدأ تقرير المصير، رهينة بتجاوز مفهوم الشرعية الديمقراطية، فلا يعقل أن يتم إطلاق عنان الشر بدعوى حماية القيم الإنسانية (الحرية والديمقراطية). وهو ما يطرح سؤالاً حيوياً: لماذا لا تُستفتى الشعوب عند إعلان الحروب؟ لكن بأي معنى ممكن أن نحقق عدالة إنسانية؟ هذه الدعوة ليست جديدة ولا مبتكرة، فقد تداول الفكر الإنساني شرقاً وغرباً صيغاً معينة لهذا الكيان العالمي، بأشكال مختلفة، تراوحت بين مفهوم المدينة العالمية الرواقية، أو سلام كانط الدائم، الحكومة العالمية عند الفرابي وبرتراند راسل، أو الديمقراطية العالمية التشاورية والمواطنة العالمية لدى "هبرماس" وغيره...إلخ. وتبقى الانتقائية والاستعلاء الذي تناول به الفكر الغربي الكيان العالمي، سواء الأنساق الصدامية المنحدرة من السلالة الهيجيلية (فوكوياما، هنتنجتن...)، أو الأنساق الأكثر إنسانية، ما أسميه السلالة الكانطية (هابرماس/ وراولز)، معيقة لتحقيق قيم سلام جدية. نحن في حاجة إلى أطر فكرية أكثر إنصافاً، تحاول تجاوز كل مقدمات الاستعلاء الحضاري. فالعقلانية الأوروبية، المرتكزة إلى بداهة مغشوشة مفادها أن العقلانية في نسختها الأوروبية تمثل الذرى النهائية للتطور (حداثة نقية)، وأن قدرها أن تكون الأنموذج أو الرأسمال المشترك الحتمي لجميع أفراد الجنس البشري، يجعل العدالة الإنسانية بهذا المعنى استيعابية لا تسمح بالتعدد، مما قد يعصف بأي نزوع نحو بناء ثقافة للسلام والتعايش. أجدني مضطراً للإعلان عن أطروحة، ولو بطعم الفرضية، أسميتها بـ "التعايش المتساكن"، أي رسم الحدود للعلاقات المتكافئة المبنية على الاحترام المتبادل للآخر دون إنكاره، أو إقصائه أو استيعابه، بل الاعتراف به والتعارف معه على اختلافه. وتستند هذه الأطروحة إلى ثلاثة مبادئ: مبدأ المسؤولية والتضامن والتعارف. إن مبدأ المسؤولية كما صاغه "هانز جوناس" في كلامه حول مسؤولية الكوكب الذي نعيش فيه، وحمايته من دمار الحروب والأوبئة والمخلفات الصناعية، ما أسماه بـ "الجوهرية" حماية مستقبل الأجيال القادمة. لا يخرج عن نطاق إرشاد أخلاقي للحكام تتسم بالفردانية، ولا يؤسس لمسؤولية تضامنية مبنية على مفهوم الأمن الحيوي (تجنّب الموت). إن هذه المسؤولية المستندة إلى وحدة المصير، ستؤدي إلى حتمية تضامن الشعوب في مواجهة عولمة الخوف، التي أنتجتها التنافسية اللامسؤولة لقوى التدمير. إن التعايش المتساكن هو قدرة على إزالة هذه التهديدية، من خلال استرجاع سيادة الشعوب الفوق-سيادية، وتحمل الشعوب مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الشرعية الديمقراطية أو التفويضية الضمنية لحكامها، التي تعطي مبررات أخلاقية لإبادة الشعوب باسم الديمقراطية. والكيان القادر على أن يؤسس لهذه السيادة الشعوبية، والتي وصفتها نانسي فريزر بالحركة الاجتماعية الجديدة وديناميتها العابرة للأمم، والحاجة إلى فضاء عمومي ما بعد برجوازي بديل؛ وأسميها بالكيانات المدنية المتعالية، الموازية لإرادة الشعوب، والتي تنتج عن شرعية صناعة الحياة؛ ولن نجد أنسب من التفويض المعنوي للكيانات المدنية الإنسانية، المتحررة من أية تبعية للمنظمات الدولية الحكومية، التي أبانت عن عجز وازدواجية في الخطاب تجاه القضايا المصيرية للشعوب، كما أنها باتت مدانة معنوياً بخدمة الأجندات التحكمية لأوليكارشيا المال.
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...
إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...
إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...
من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...
إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...
إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...
إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...
إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...
لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...
إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...
كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...
خلف هذا السؤال هناك حقيقة ثاوية ومحرجة نوعاً ما، هل نحن أمام إمبريالية جديدة؟ وهل حضور الصين كقوة عالمية اليوم، يرشحها لأن تلعب هذا الدور بدلاً عن الريادة الغربية بقيادة أميركا؟ لكن قبل ذلك، ما...