


عدد المقالات 103
على أريكة هادئة في المنزل جلس الزوجان الشابان يضعان الخطوط العريضة لسير حياتهما, قرر هو أن يتولى شراء الاحتياجات، وقررت هي تولي الطبخ, وكلاهما سيساهم في الصرف وفي تنظيف المنزل, لكن جيران لهما اشتريا كتابا كبيرا يتضمن كيفية تنظيم الحياة الزوجية وسبل اتخاذ القرارات المصيرية الهامة, أنا فضلت أن يختار كل طرف ما يجيده ويحبه ويتولاه, وعليه أنا اخترت رعاية صغيرتي، ورعاية النباتات، لكن جارتي رضخت لحماتها اتقاء لإشعال الفتنة الداخلية، فكانت الحماة هي التي تسير الحياة وهي التي تنفق أموالهما وتقرر موعد المصيف وموعد تخزين ملابس الصيف والشتاء، وكما أن لإدارة المنازل مداخل متنوعة وبعضها مدهش فإن لإعداد الدساتير سبلا عديدة، وبعضها مبتكر، والدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم وشكل الحكومة، وينظم السلطات العامة والعلاقات بين السلطات وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويلعب الظرف السياسي دورا في اختيار طريقة إعداد الدستور، وهناك أساليب عديدة لإعداد الدستور، أشهرها دستور يسمى «دستور المنحة» ويصدر هذا الدستور بالإرادة المنفردة للحاكم بدون أن يلعب الشعب دورا في اختيار المواد التي ستصنع القوانين والإجراءات التي تؤثر على حياته في كافة جوانبها, وقد صدر دستور مصر عام 1923 بهذا الأسلوب. الأسلوب الآخر المتبع في إعداد الدساتير يسمى «دستور العقد»، وكما يبدو من اسمه فهو يعد بالشراكة بين الحاكم والشعب, ولا يعتبره فقهاء الدستور أفضل طريقة, وينفون عنه صفة الديمقراطي، ويؤكد معارضو هذا النوع أن «السيادة للشعب وحده وهو مصدر كل السلطات»، وأن مشاركة الحاكم في وضع الدستور تعني اقتسام السيادة مع الشعب. هذا وقد اتبعت تلك الطريقة في إصدار الدستور العراقي عام 1952. الأسلوب الثالث المتبع أيضا هو «دستور الجمعية التأسيسية»، ويفترض مؤيدو هذا الأسلوب أن الشعب غير قادر على إدراك المسائل الفنية القانونية ولذلك يتم اختيار ممثلين عن الشعب لتولي مهمة إعداد الدستور باسم الشعب, وتسمى عادة بالجمعية التأسيسية أو المجلس التأسيسي إذا كان كله منتخبًا، وقد لجأت الرئاسة المصرية إلى هذا الأسلوب في تقديم مقترح مشروع الدستور الجديد الذي بدأ التصويت بشأنه منتصف هذا الشهر. هذا وقد فُوِّضَ مجلسا الشعب والشورى باختيار أعضاء الجمعية التأسيسية المعنية بإعداد مشروع دستور جديد لمصر, وقد اشترط أن تمثل كافة فئات الشعب المصري وشرائحه الاجتماعية وقواه السياسية والنقابية والمهنية والدينية والثقافية وكذا تنوعاته السكانية وقطاعاته العمرية والنوعية، بما يضمن الحد المقبول لتمثيل كل تلك المكونات، ولا يتخذ الدستور الصفة الرسمية إلا بعد عرضه على الشعب في استفتاء عام، وهو ما يعبر عن التطبيق الفعلي للديمقراطية، وذلك بالاعتراف بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة. على أن تمثيل الشعب المصري بكافة طوائفه وفئاته كان هو المشكلة الأولية التي تلاها مشكلات أخرى, فمجلسا الشعب والشورى المخول لهما اختيار أعضاء اللجنة التأسيسية حادا عن المعايير واحتكما لمبدأ حماية جماعة الإخوان, ولحماية الإخوان سبل عديدة أهمها وأولها بناء سقف تشريعي مفصل, هذا السقف التشريعي يتطلب وجود بناة مهرة ينتمون بالفعل أو بالقلب إلى الجماعة وأقربائهم المنتمين إلى الأحزاب السلفية. سيطر على اللجنة فصيل سياسي واحد نسي مهمته الأصلية في إعداد دستور يليق بتنوع مصر، وتفرغ لإعداد دستور يحكم الغطاء على جماعة الإخوان, الأمر الذي تسبب في انسحاب أغلب ممثلي التيارات السياسية الأخرى, وخرج الدستور مشكلا من مجموعة سياسية واحدة. الدستور ذو اللون الواحد كان أشبه بالسكين الحاد الذي قسم قلب الوطن إلى جزأين, جزء يساند الإخوان وجزء يناوئهم, على أن كبارا حكماء كانوا يراقبون المشهد, ولم يطلعوا على الدستور ولا تابعوا الفضائيات التي أمطرتنا نقاشا, لكنهم رغم ذلك رفضوا الدستور بإصرار قائلين: إن دستورا يهدر دماء يجب أن يُلغي, من بينهم رجل عجوز بجلباب كالحة اللون قابلني وأنا في طريقي إلى اللجنة الانتخابية, الرجل تقدم إلي وأخذ يتحدث كأنما يحدث نفسه: ده مش دستور, ده زلزال يا ناس, هو فيه حاجة بتقسم الأرض غير الزلازل, والله زلزال». ولماذا صار الدستور زلزالا؟ هذا موضوع مقال الأسبوع القادم إن شاء الله.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...