alsharq

عبد العزيز الحيص

عدد المقالات 81

إبراهيم عبد الله المحمدي - مؤلف وتربوي 13 أغسطس 2026
تيسير الخدمات لكبار القدر استكمال لمسيرة العطاء
السفير رشاد فراج الطيب - دبلوماسي وباحث سوداني 10 أغسطس 2026
جامعة حمد بن خليفة تحتفي بإرث البروفيسور مالك بدري

المولات سوسيولوجيا

17 أغسطس 2015 , 06:29ص
بعد احتلال ألمانيا للنمسا عام 1938، هاجر فيكتور جريون، المنحدر من عائلة يهودية، إلى الولايات المتحدة، بلا لغة إنجليزية، وجيب ليس فيه سوى 8 دولارات، وشهادته كمعماري. لم يكن الفتى يعلم أنه سيبني للأميركان حلمهم. يعرف فيكتور اليوم بأنه أب المولات الحديثة في العالم، تلك التي يصفها علماء السوسيولوجيا بأنها «المكان الثالث»، الآمن والمحايد، الذي يمكن أن يجتمع فيه الناس بعد البيت والعمل. منذ الخمسينيات، انطلقت المولات وتكاثرت في أميركا والعالم، ويبلغ عددها اليوم ألفاً ومائتي مركز تسوق في أميركا وحدها.
المولات هي القبلة التي تتمركز حولها البيئة الحضرية اليوم. فيها الترفيه، والاجتماع مع الرفقة، والأكل والتسوق وغير ذلك. وفي بيئة حارة جداً مثل دول الخليج العربي، قدمت المولات المكيفة والمريحة الحل الصريح الذي اعتاده الناس سريعاً. صارت معابد المجتمعات الاستهلاكية هذه في حكم العادة. ولو سافر مجموعة من الشباب العربي إلى مدينة أجنبية فإن أول شيء يسألون عنه ويزورونه فيها، سيكون المولات في الأغلب. ورغم أن المولات تكاد تتشابه في العالم، إلا أنها صارت مألوفة، وقريبة من القلب. ومن معالم المستهلك الحديث اليوم، أنه أصبح يشتري بقلبه، لا بعقله كما كان يذهب في السابق وفي يده ورقة بأشياء محددة ومفهومة يريد شراءها. الشراء عن طريق القلب، يشبع حاجة شعورية، لا يهم ما تشتري وسعره، المهم أن تمارس العملية، لأن هذه المعابد والواحات الحديثة لن تشعر بوجودك، وتحس بقيمتك، إذا لم تمارس هذه العملية. قد تصبح غير موجود ببساطة!
لا تزال الوظائف التي تحققها المولات في تزايد. يحتاج الناس في قطر مثلا إلى رياضة المشي، لكن حرارة الجو لا تساعد على ذلك. في العام 2013 نشرت صحيفة النيويورك تايمز تقريرا عن مبادرة لبرنامج يعرض خرائط المشي داخل أهم المولات في قطر، ومبينا فيها المساحات التي يتم قطعها داخل كل مول، لغرض مساعدة من يريد ممارسة هذه الرياضة. ويتضح أيضاً أن المولات تفتح أبوابها ساعتين قبل وبعد فتح المحلات، وهذا لمن يريد التحرر من الزحام أو من النزعة الاستهلاكية القائمة في المكان. ويظل الكثير اليوم يشككون من أن الوظائف التي يحققها المول مصنوعة ودعائية لأجل زيادة الاستهلاك والإنفاق فقط، ومن الصعب مقارعة هؤلاء حجتهم.
سوسيولوجياً، تعتبر المولات امتدادا يجسد طبائع مجتمعية متنوعة. في السابق كانت الناس تجلس في حارات القرى والمدن لأجل الفرجة والالتقاء ببعضهم، مسألة الفرجة اليوم تغيرت درجتها بأن الشخص قد يجلس في مقهى المول للفرجة على عدد ضخم وغير معروف بالنسبة له. وظاهرة المولات تحمل داخلها أيضاً تعقيدات اجتماعية مختلفة، فإذا كانت عملية التسوّق في العادة عملية جماعية يصطحب فيها المرء زوجته أو عائلته ومعارفه، فإن الدور القيادي داخل هذا المجال (السوق) يصبح للمرأة، باعتبار أنها وكيل الشراء للعائلة دوماً، وهو ما قد يختلف عن طبيعة الدور القيادي في المجتمع المرتبط بالرجل. كذلك، من التأثيرات الاجتماعية أن بضاعة المولات الحديثة هي بضاعة معولمة، وتمثل ذروة التقاء المجتمعات المختلفة بهذه البضاعة المفيدة لكبرى الشركات العالمية، وهو ما أتى على حساب المبادرات التجارية المحلية، وما يظل مؤثراً أيضا على مسألة الهويّات في المجتمعات المختلفة. وأيضا اختفت الأسعار المحلية الرخيصة، واختفت قدرة الإنسان على التفاوض حول السعر تقريباً. أحد ملامح العقلية العربية كما تحدث أحد الأنثروبولوجيين، هي عقلية البازار، فنحن كعرب نحب الأخذ والرد والحديث التفاوضي، لكن كل هذا أصبح من الماضي.
حين سئل الروائي والكاتب اليساري البرتغالي خوزيه ساراماغو عن الأسباب التي دفعته لكتابة روايته «الكهف»، قال: «في صحيفة إسبانية قرأت أن امرأة كتبت في وصيتها أنها أرادت أن يُذرى هشيمها حول مركز تسوق بعد أن تموت، لأنها قضت أسعد لحظات حياتها هناك. هل يمكن أن يجعل التسوق أحداً سعيداً؟ هل يمكن أن يكون الاستهلاك سبباً للحياة؟!». في هذه الرواية، ينتقد الروائي الحائز على جائزة نوبل (1998) مظاهر العولمة، عبر حكاية «المركز» الذي يشبه مول تجاري ضخم يحقق للناس كل ما يريدون وليس لديهم أي احتياج لغيره، ويكون الأمر صعبا على بطل الرواية وأسرته، عجوز منعزل ويعتاش من صناعته اليدوية للفخار، أن يتكيف كما الآخرين على أسلوب حياة جديد مستحدث وصناعي. ليست أحاديث المولات إذن أحاديث سعيدة ومبهجة. حتى أبو المولات وصاحب فكرتها، فيكتور جريون، ذكر قبل وفاته بعامين أنه يتنكر لهذه الأبوة! لقد مات وهو كاره للمولات، لأنه صنعها لأهداف اجتماعية لا رأسمالية.

وداعاً «في العمق»

قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...

الفرد ومشاكله المالية

أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...

السعودية وقانون جاستا

لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...

جيجك واللاجئون

السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...

خوف في الشبكات الاجتماعية

الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...

تركة العدناني

بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...

ذاكرة الكراهية

ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...

مجتمع النظام الأبوي

مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...

القبيلة

الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...

أميركا بين الديمقراطية والانقلاب

تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...

وحش النقد

في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...

الانقلاب والديمقراطية

لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...