الكهولة الإدارية
17 يوليو 2011 , 12:00ص
تقذف لنا الصحف ووسائل الإعلام بشكل دائم ومستمر خبر التمديد للمسؤول الفلاني والمحافظ العلاني والمدير القاصي والرئيس الداني والوزير الهمام والمستشار المقدام، وقس على ذلك دواليك. هذا التمديد والذي بموجبه في الغالب يكون إعلان تجاوز المسؤول سن التقاعد وهذا التمديد غالباً لا يكون لمرة واحدة بل لأكثر من مرة. أي أننا مع سقف مفتوح في فضاء العمل الإداري العام لا حد أو عد!!
ومع إيماني الكامل والكبير بأهمية التمسك بالكفاءات الجيدة والقدرات المتفوقة واحترام الخبرة والتجربة والتي تمثل جزءا لا يتجزأ من فنون القيادة وعلم الإدارة، فإننا نظرنا في عالمنا العربي بكل أسف إلى جانب وأغفلنا جوانب أخرى حيث إن ما نستطيع تسميته اصطلاحا «الكهولة الإدارية» له آثار سلبية كبرى على التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في المنطقة العربية. ولها ذات الأثر السلبي في تنفيذ القرارات وتحقيق الإصلاحات وتسريع وتيرة العمل وتحقيق الطموحات وأهداف خطط التنمية المعلنة للجمهور، وهذا ظاهر للعيان حيث يغيب الشباب عن الكثير من المناصب والأعمال والمجالس سواء كانت البرلمانات ومجالس الشورى أو المجالس المحلية أو حتى عن المجالس البلدية بل حتى عن مجالس إدارة الشركات والمنظمات الأهلية!!
وتسيطر هنا فكرة «قديمك نديمك لو الجديد أغناك»، فيعمل المسؤول حتى الوفاة أو المرض المُقعد الذي يجبر صانع القرار هنا للبحث عن بديل فقط ينقذ الموقف. وهنا تبرز مشكلة كبرى في فكرنا الإداري حيث إننا نلجأ إلى التغيير ولا نبحث عنه!!
رغم أن التغيير والتجديد هما الأصل وهما الخير والخيرة. فكل إنسان له طاقة وتنتهي، وفكر ويستهلك، وهمة وتخور، ونشاط ويذبل.. والعمل الإداري عمل ديناميكي سريع وفعال ومتجدد ولا يقبل التقليديين أو المترددين أو المعطلين أو الجامدين الذين لا ينشدون التطوير والتحسين والتغيير الإيجابي.
ولهذا يرى علماء الإدارة أن التنفيذيين من الإداريين يجب ألا يستمروا أكثر من ثماني سنوات في ذات المنصب كحد أقصى، وتجاوزهم له آثار سلبية كبرى على العمل والإنتاجية ومسيرة المنظمة. ومن هنا جاء الدستور الأميركي لكي يمنع الرئيس من الترشح أكثر من فترتين رئاسيتين، إجماليهما ثماني سنوات. وأقر المصريون مؤخراً في تعديلاتهم الجديدة على الدستور نقاطا في ذات السياق، ويعتبر هذا الأمر عرفاً إدارياً في الكثير من الدول المتقدمة التي تؤمن بأن العمل الإداري عمل تراكمي يتعاقب عليه الناس لكي يضيفوا عليه ويتفانوا في خدمته وهي سنة من سنن الحياة التي يجب ألا نسير عكسها فتلك الأيام نداولها بين الناس.
فكلما كان هناك سقف واحد للعمل ذو تحديد ووضوح، أصبح المسؤول أمام تحدٍّ لتحقيق أهدافه وطموحاته واستراتيجيات المنظمة وترجمة الخطط إلى واقع قبل الرحيل. والعكس في ثقافة «مسؤول حتى آخر قطرة»، حيث لا يتقاعد أبداً ولا يعطي مَن خلفه أي فرصة للتجلي والعمل والإبداع، بل يحاربهم ويحاول إقصاءهم بكل الوسائل كي يبقى هو بكل أسف القائد الملهم!!
وهنا تتضح إشكالية غياب استراتيجية ضخ الدماء الشابة في هذا الوعاء الإداري الذي أعياه البطء والمركزية والبيروقراطية القاتلة والفتور الإداري والرتابة الإنتاجية حتى أن تعطل المشاريع أصبح أصلاً وتأخر تنفيذ الخطط قاعدة، وتأجيل المبادرات والأفكار الجديدة مُغلباً... وقس على ذلك.
وهنا تبرز معضلة كبرى يلحظها المواطن في المسؤول العربي عامة وهي أنه أكثر مسؤول يردد كلمة «سوف» من كثرة الملفات العالقة لديه بلا إنجاز أو حسم.
إن الدول تبنى وتزدهر على سواعد شبابها وطاقاتها الواعدة التي ترفع البلاد وتنشر التطور والتقدم والرقي وتنهض بالأمم والشعوب. وهنا يجب أن نفكر جلياً وجدياً بهذه المدد القياسية وغير الطبيعية التي يظل فيها هؤلاء المسؤولون وأعضاء المجالس والقيادات التنفيذية هنا أو هناك. حتى إن بعضهم أكمل ربع قرن أو أكثر في منصب واحد.. فكيف ننشد هنا تجديداً وتطويراً وإعادة للهيكلة تسهم بتغيير بيئة العمل والأداء العام إلى الأفضل فيما يقدم للوطن والمواطن وتناسب جودة الخدمة ودقتها وسرعتها مع المرحلة الحالية التي لا تؤمن بالركود والدعة والتأجيل.
إن العلم يقول إن هؤلاء مناهضون للتغيير بكل أسف حيث إن التغيير لا يخدمهم وعليه يكون خروج الكثير من طاقات هذا البلد من الميدان بسبب أن المسؤول لا يركز على الخدمة التي يقدمها لهذه الدائرة بل يركز أكثر على بقائه أكبر وقت ممكن في المنصب حيث لا سقف هنا يحدد مدته. فيكون التمديد تلو التمديد وكأن البلد لا يزخر بالقيادات التنفيذية الفذة والمميزة ذات الفكر الواعد والإبداع المستنير والطرح الخلاق من الشباب المتعلم والمتنور والمؤهل!!
إن برامج الابتعاث الكبرى التي بدأت تقذف لنا الكثير من الخريجين بالإضافة إلى خريجي الداخل تجعلنا نفكر بجدية في إنهاء هذه الشيخوخة الإدارية وإعطاء الشباب فرصتهم وإحداث توازن بين الشباب والخبرات حيث يكون الشباب للمهام التنفيذية، والخبرات للمهام الاستشارية والتوجيهية، مع تغليب نسبة الشباب بناء على نسبتهم في المجتمع والتي تصل إلى %70 ولأنهم هم من سوف يصنعون الفرق الذي لطالما بحثنا عنه وأعلنا أننا نريد أن نصله وهو العالم الأول ولا غير، حيث المكان الذي يستحقنا ونستحقه.
محبرة الحكيم
يردد التقليديون دعاء «الله لا يغير علينا»، ويردد المتبصرون «الله يغير علينا للأفضل والأجمل والأكمل».. فماذا تردد أنت؟
تأصيل
عيَّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسامة بن زيد قائداً على رأس جيش فيه أفضل صحابته الكرام مثل أبي بكر وعمر وغالبية العشرة المبشرين بالجنة (عليهم رضوان الله) يأتمرون بأمره ويدينون له بالطاعة. وهنا أرسل رسالة عميقة إلى البشرية جمعاء بأن إعداد القادة أصل من أصول العمل الإداري والحضاري والتنموي وأن الأمم القوية والعظيمة والفاعلة هي التي تمكّن شبابها وتطلق قدراتهم وتستثير هممهم وتجعلهم وقود البناء وفرسان النهضة التي غيرت وجه العالم وتاريخ الإنسان وصورة الزمان والمكان وملامح الكوكب الذي نعيش عليه.. فهل نستفيد من هذا الدرس الخالد؟
* مدرب ومستشار معتمد في التنمية البشرية وتطوير الذات CCT
وعضو الجمعية الأميركية للتدريب والتطوير ASTD.
sultan@alothaim.com