أبو بكر الصديق رضي الله عنه
17 أبريل 2014 , 12:00ص
قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
هم أصحاب محمد أفضل هذه الأمة، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه وإقامة الدين فنشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ورووا السنن عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فعمل اليهود والنصارى والعلمانيون والروافض على تشويه كل ذلك وتحريفه وتزويره، وتشكيك الأجيال المسلمة بما يخدم أغراضهم والنيل من أعراض صحابة رسول الله، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سننهم والاهتداء بهديهم قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ووَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، أفضل أصحاب نبينا الكريم وأعلمهم هو (أبو بكر رضي الله عنه) سيد الصديقين وخير الصالحين بعد المرسلين، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيه: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبابكر ولكن أخي وصاحبي)، وقال صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).
فقد ثبت الله تعالى بأبي بكر الأمة واقتدى برسول الله، ورد الخلافة إلى الكتاب والسنة وسحق حركة الردة، وواصل جهاده وعدل بين البلاد المفتوحة، ورفق بأهلها، فقد كانت صلته بالله تعالى كبيرة واتباعه شديداً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد لقبه النبي (بالعتيق) فقال: (أنت عتيق الله من النار)، فسمي عتيقاً، وقد لقبه أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم (بالصديق) ففي حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحُداً وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) وعندما أسري بالنبي إلى المسجد الأقصى وارتد الناس صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوه أو روحه، وقد قال الله تعالى عنه في سورة التوبة: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، والمراد بصاحبه هنا أبو بكر بلا منازع، حيث قال له النبي: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
والأحاديث في كونه معه في الغار كثيرة، وقد كان رضي الله عنه أعف الناس في الجاهلية، فلم يشرب خمراً في حياته، ولم يسجد لصنم قط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام)، وقد قال النبي: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟)، لذلك كان أول من أسلم الصديق رضي الله عنه، وعندما أقبل عقبة بن أبي معيط والنبي يصلي في حجر الكعبة واضعاً ثوبه في عنقه صلى الله عليه وسلم فخنقه، أقبل الصديق ودفعه عن النبي وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ فهو أول من دافع عن رسول الله وأول من دعا إلى الله، وهو الذراع اليمنى للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أعتق بلالاً من تعذيب أمية بن خلف له، وفي رواية اشتراه بأربعين أوقية ذهب، وأعتق رقاباً ضعافاً كثيرة، وقد كان يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل ويقري الضيف ويبكي عند تلاوته للقرآن، وقد هاجر مع الرسول إلى المدينة إلى أن لحقا في غار بجبل ثور، فاستترا فيه ثلاث ليال، حتى وصل النبي بصحبة أبي بكر إلى المدينة وكأنه يوم عيد، وقد كان الصديق ينهل من ينابيع النبوة، وقد أخذ النبي برأي أبي بكر في أسرى بدر عندما قال: (يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار) حتى قال عنه النبي: (إن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام)، وله المثل العليا في معارك لا تحصى في أحد وحمراء الأسد وغزوة بني النضير وبني المصطلق وبني قريظة وفي الخندق والحديبية، وموقفه من الصلح وفي غزوة خيبر وسرية نجد وبني فزازة وفتح مكة وحنين والطائف وغزوة تبوك، وحفظه لسر النبي وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإكرامه للضيف ومسابقته في الخيرات حتى أصبح في يوم صائماً ومتبعاً لجنازة، ومطعماً لمسكين، وعائداً لمريض حتى قال النبي: (ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) قال صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأني أعطيت عساً مملوءاً لبناً فشربت منه حتى تملأت فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت منها فضلة فأعطيتها أبا بكر) وقال عنه النبي: (إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر) إلى قوله: (لا يتبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) ولما اشتد مرضه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وعندما تولى أبو بكر الخلافة زهد فيها وحرص على وحدة الأمة وقد قال فيه النبي: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي) وأشار إلى أبي بكر وعمر. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله قال: (بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني) كما أن فتوحات الصديق لا تعد ولا تحصى، وعن أيامه الأخيرة في الحياة الفانية قال أبو بكر في آخر كلامه: (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وقد دفن بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم وارتجت المدينة لوفاته، وكان يوماً باكياً حزيناً، وأقبل علي كرم الله وجهه مسرعاً باكياً، ووقف على الباب الذي فيه أبو بكر فقال: رحمك الله يا أبا بكر كنت أنيس رسول الله ومستراحه وثقته وموضع سره، وكنت أول القوم إسلاماً وأخلصهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأحوطهم على رسول الله، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، وقمت معه على المكاره، وصحبته في الشدة، سماك الله في تنزيله صديقاً فقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ).