alsharq

منبر الحرية

عدد المقالات 129

تساؤلات حول اقتصاد السوق والأخلاقيات

17 يناير 2012 , 12:00ص

يعترف معظم المراقبين والخبراء الاقتصاديين بأن الأزمة المالية التي تعرض لها العالم وبشكل خاص الدول الرأسمالية، لم تخرج عن دائرة الأزمات الدورية التي لا تسلم منها السوق الحرة والاقتصاد الرأسمالي بحكم آليته ونظام عمله. وأكثر ما أكدته الأزمة المالية هو الدور المؤثر والضروري للدولة في الرقابة على السوق وضبطها. وكما رأينا فإن البنوك المرتبطة بالدولة لم يشملها اهتزاز السوق والأزمة المالية الخطيرة، خلافاً لبنوك الاستثمار أو التي تقدم القروض للسكن التي لا تخضع لأية رقابة من قبل. وعند الحديث عن هذا الموضوع فلا بد أن يدخل الفيلسوف الاسكتلندي «آدم سميث» على الخط، إذ إن أنصار الأخير من دعاة السوق الحرة أكدوا في تطبيق نهجهم على جانب واحد من أفكار «سميث»، والتي طرحها في كتابه المعروف «ثروة الأمم»، الذي ألفه عام 1776. ففي هذا الكتاب ركّز آدم سميث على أهمية السوق الحرة في تطور واستقرار النظام الرأسمالي. فإن «سميث» نفسه عاد ودقق في أفكاره عندما ألّف كتاباً آخر تحت عنوان «نظرية المشاعر الأخلاقية»، ركز فيه على العامل الأخلاقي وليس على أنانية المنافع الشخصية في المجتمع الرأسمالي، والذي يتطلب تدخل الدولة لتفعيل هذه الأفكار. الدوافع الأساسية التي تحرك الحياة الاقتصادية لدى «آدم سميث» تتركز في المصلحة الذاتية، حيث يمثل السعي إليها‏ بصورة فردية وتنافسية‏‏ مصدر القدر الأكبر من الخير العام‏.‏ ومن أشهر أقواله: «إننا لا نتوقع غذاءنا من إحسان الجزار أو صانع الجعة أو الخباز،‏ وإنما نتوقعه من عنايتهم بمصلحتهم الخاصة‏، نحن لا نخاطب إنسانيتهم‏،‏ وإنما نخاطب حبهم لذواتهم‏»،‏ حيث إن الفرد‏ في هذه الحالة، شأن غيرها من الحالات، تقوده يد خفية نحو تحقيق غاية لم تكن جزءاً من مقصده،‏ وبفضل هذه اليد الخفية،‏ وهي أشهر استعارة في الفكر الاقتصادي‏، فإن الشخص الذي يجمع الثروة لنفسه،‏ والذي كان موضع ارتياب وشكوك وسوء ظن أصبح بسبب مصلحته الذاتية عاملاً من أجل المصلحة العامة. بينما إذا ما نحينا جانباً ما أثبته التاريخ من رؤية «سميث» المتعلقة بأفضلية اليد الخفية في تحقيق المصلحة العامة‏، فقد كشفت الأزمات الدورية لاقتصاد السوق الحرة (خاصة الأزمة المالية العالمية الأخيرة) ما قادت إليه اليد الخفية من اختلالات في توزيع الثروة وإخفاقات في تخصيص الموارد‏. وبغض النظر فيما إذا كانت نظرية «سميث» قابلة للترجمة والتطبيق في كل زمان ومكان، وأيضا بمنأى عن مواقف واجتهادات بعض الاقتصاديين التي أشارت إلى أن هذه النظرية كانت قد أسهمت في تكريس الفقر العالمي، فإنه من المشروع السؤال حول ما آل إليه واقع الحال وما خص قانون المنافسة ومنع الاحتكار، هل تمكن هذا القانون من الوقوف بوجه الأزمة المالية العالمية وجشع التجار.. إلخ؟ إن هذا ما يستحق تحليلاً لاحقاً لإخفاقات السوق الحرة. وبالاتكاء على ما تقدم، فإن ما شهده العالم نتيجة الأزمة المالية جعلت النظريات الرأسمالية واقتصادات السوق الحرة تقف على المحك، وأن ما واجهها هو بلا شك الأخطر في تاريخها منذ القرن التاسع ‏عشر، وهي تسعى جاهدة في تصحيح مسارها بنفسها، تماماً كما فعلت في أزمات سابقة لا تقل تفاقما وخطورة، ‏واعتماداً على قوانينها هي بالذات. أما الأخلاق بمختلف نصوصها وفلسفاتها فإنها من بين أهم المكتسبات التي بدأت تفقد حضورها شيئا فشيئا بفعل تأثير ثقافة العولمة واقتصادات السوق الحرة وما تملكه من قوة جذب وإغراء. وكما هو معروف فإن الأخلاق عبارة عن مجموعة القواعد السلوكية للأفراد، في المجتمع، «وهي التي تميز مفهومهم، عن «العدل واللاعدل»، الخير والشر، الشرف والإهانة.. إلخ، وعلى خلاف القواعد القانونية، فإن القواعد الأخلاقية ليست مدونة، لكنها مدعومة بقوة الرأي العام، التقاليد، الأعراف، التربية وقوة المشاعر الباطنية للأفراد، فهي بهذا المعنى، تحدد اتجاه الناس فالقواعد الأخلاقية تتطور مع المجتمع، تحت تأثير التغيرات المحلية، الوطنية والدولية، في الاقتصاد، السياسة خاصة علاقات الإنتاج، وهي بهذا المعنى، تبرز مع التناقضات الطبقية التي تعبر عن المصالح الطبقية. ففي المجتمعات البرجوازية وكما هو حاصل في العالم الرأسمالي البرجوازي «اقتصاد السوق» وبوصفها عنصرا من البنية الفوقية، تمارس الأخلاق تأثيرا في كل الجوانب الحياتية والمجتمعية. وبفضل العلاقات التي تخلقها بين الناس، العمل والملكية، فهي تؤثر في النشاط الاقتصادي. هنا يبرز الحديث عن الأخلاق الرأسمالية التي تلعب دوراً نفعياً «احتكارياً»، في تطور المجتمع. ومهمتها الاجتماعية الأساسية هي: الدفاع وتغليب المصلحة الخاصة «الاستغلال» التي هي قاعدة الرأسمالية المتجددة، في ثوب العولمة الاقتصادية. ذلك أن الرأسمالية تتحدد عن طريق المصلحة الخاصة، فهي التي تفرق بين الناس وتحولهم إلى أعداء متنافسين أو متصارعين، من أجل أقدس مقدسات الرأسمال وهي الربح، لذلك، ففي سعيهم الحثيث نحو الربح، فإن الرأسماليين «أفرادا ومؤسسات» يدوسون على كل القيم الإنسانية، فمصير الناس الذين يوجدون في محيطهم، بلدهم أو المجتمع الإنساني برمته، لا يعنيهم مطلقا، إنهم يضعون مصالحهم الأنانية، فوق كل اعتبار. أما الفردانية المطلقة، فهذا هو المبدأ الأساسي، للأخلاق الرأسمالية. «فالإنسان ذئب لأخيه الإنسان» أو «كل لمصلحته والدين للجميع» وهذه هي القواعد التي تنبني عليها الأخلاق الرأسمالية ومن ثم النظام الاقتصادي العالمي، الجديد أو المتجدد. هذا ورغم توقعات المحللين وخبراء الاقتصاد بأن الرأسمالية ستنجو من الأزمة المالية حتى وإن أدت إلى ركود كبير، ونظراً لعدم وجود بديل لم يتم إثبات عدم موثوقيته بصورة معمقة. كون البدائل السوفيتية، والماوية، والإيطالية الميركنتلية.. وغيرها، تمثل بدائل غير فعالة على أقل تقدير! فإنه من الإنصاف القول أيضاً إن الرأسمالية بعد ‏سبتمبر 2008، لن تكون كما كانت عليه قبلها، ويرجح الخبراء أن نظريات حاكمة للنظام الرأسمالي «دعه يعمل دعه يمر» ‏و «اليد الخفية» ستجري إعادة صياغتها من جديد، والأرجح لصالح دور أعلى لـ «رأسمالية الدولة» التي تعزز فرصها ‏وحظوظها عمليات التأميم الجزئي والكامل لمنشآت وبنوك عملاقة، ولصالح دور تنظيمي أعلى للدولة في ‏الحياة الاقتصادية.‏ والأرجح أن التداعيات الاجتماعية الكارثية للأزمة الاقتصادية العالمية، ستفرض على «نظريات السوق» بعداً ‏اجتماعياً جديداً. خلاصة الحديث، أنه وبعد الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة لن يكون لرأس المال وحده وكذلك السوق الحرة، ‏الكلمة الفصل في تقرير مصائر البشرية. فالليبرالية الاقتصادية غير المقيّدة وغير المنضبطة إلا لقوانين السوق وقواعدها، ما عادت نظرية يمكن ‏الدفاع عنها طويلاً. ينشر بالتعاون مع منبر الحرية

مشروع فلسطيني جديد يواجه المشروع الصهيوني

مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...

سيكولوجية الهدر عربياً

كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...

سوريا إلى أين؟ بين إنكار السلطة الديكتاتورية.. وفشل المعارضة السورية (1/2)

درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...

أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟

لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...

روحاني والسياسات الإيرانية القادمة

بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...

مبادرة النيروز: درس تركي جديد للعرب

قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (3/3)

.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (2)

باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...

سوريا الحرية ستنهض من جديد(1)

لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...

موقع المثقف العربي من «الربيع»

في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...

التجربة الثورية العربية الجديدة (1/2)

يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...

التحول الديمقراطي التركي رؤية من الداخل

هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...