


عدد المقالات 129
إننا نعتقد أن فكرة المؤامرة لا تنمو إلا في تربة المجتمعات المنخورة بآفة الاستبداد والطغيان والفساد الذي تحولت الأوطان بموجبه إلى ما يشبه الحطام التاريخي، بعد أن تحول المواطن ذاته -الذي هو أساس البناء الوطني- إلى مجرد أداة انفعالية بالموقف والحدث توجه من قبل السلطات والجهات الوصائية العليا بلا حس ولا أدنى حرية أو تفكير أو إحساس بالواقع. كما أن نظرية التآمر الخارجي لا توجد ولا تتطور إلا في المجتمعات المريضة بالتخلف الفكري والثقافي والسياسي، التي تبدي -نتيجة لتلك الأمراض- استعداداً وقابلية ومرونة عالية لتقبل وهضم فكرة ونظرية التآمر الخارجي، باعتبار أنها مجتمعات منهكة غير منتجة تعتاش على قوت ونتاج غيرها من الحضارات والأمم المتقدمة، ولهذا فنظرية المؤامرة تريحها من العمل والتفكير الإبداعي الذي يحتاج لبذل جهد حقيقي غير متوفر عند مجتمعاتنا للأسف حتى الآن. إن فكرة المؤامرة هي فكرة مرضية مزروعة في نفوس الأفراد الكسالى المتقاعسين عن العمل، والراغبين أيضاً في إعطاء إجازة طويلة لعقولهم بعيداً عن التفكر والتدبر والعمل المبدع الخلاق.. وهي لا تسري إلا في الدول المتخلفة التعبانة والمنهكة من الاستبداد والفساد كما ذكرنا. طبعاً هذا لا يعني أن كوكبنا الأرضي نظيف وخال من المؤامرات والمكر والدسائس، ولا يعني أنه لا توجد مؤامرات ومخططات بين الدول والمجتمعات والأفراد والأحزاب، بلى، توجد مؤامرات وصراعات دولية وأطماع واستراتيجيات مصلحية لهذه الدولة أو تلك القوة الكبرى، ولكن ذلك يكون محكوماً بمنطق المصالح المتبادلة، خاصة في عالم اليوم الذي لا تحترم فيه الدول والقوى إلا بمقدار ما تنتجه وتقدمه وتتفوق به على غيرها من الدول، فلا مكانة ولا احترام للمقصرين والمتخلفين والمتقاعسين من الدول والحضارات حتى لو كانت لها في يوم ما سيادة وألق كبير.. كما أن هناك فرقاً بين أن تلغي أمة بأكملها دورها وفعلها التاريخي المطلوب بناء على احتلال الفكر والعقلية المؤامراتية لكل مواقعها وأدوارها، وبين أن تعمل الأمة -من خلال ما تختزنه من إمكانات وطاقات هائلة- على مواجهة تلك الدسائس والمؤامرات بالعقل النقدي الخلاق المنفتح، القادر على بناء منهجية نقدية واضحة المعالم والرؤى والأهداف، بما يحتم مراجعة الأوضاع دائماً على مستوى الذات والموضوع. والواضح أن الدول العربية التي تتعيش وتقتات على الفكر الدسائسي والمؤامراتي هي نفسها تتآمر (بغباء طبعاً!) على الآخرين (دول وأحزاب ومجتمعات)، وتؤمن بهذه الفكرة كاستراتيجية ثابتة في سياساتها الخارجية والداخلية، ثم تشتكي منها عندما تشعر بالخسارة والهزيمة، وتبدأ مرحلة الحساب والمساءلة أمام مجتمعاتها. وقد لاحظنا أن أكثر الدول قناعة بهذه الفكرة، وشكوى منها، أكثرها تخلفاً وفقراً وفساداً واستبداداً.. فلا هي تحترم (أو سبق لها أن احترمت) مواطنيها، بل تعاملها كغرباء عنها وكأعداء لها خاصة عندما يطالبون باستعادة أدوارهم ومصائرهم، أو يجاهرون علناً بأبسط حقوقهم الإنسانية من حرية وكرامة وعدالة، ولا هي تجهز مجتمعها لمواجهة مؤامرات الخارج من خلال إعطاء الناس حقوقهم، وبناء مجتمعات تنموية قوية، وإشعار الناس بوجود كرامة حقيقة لهم. وكثيراً ما نجد أن دعاة التيار الإسلامي بالذات يتعيشون على تلك الفكرة، إلى جانب دعاة القومية العربية كما ذكرنا، حيث نجد أن هؤلاء لا يزالون يصارعون الغرب، ويتهمونه بأنه مسؤول مباشرة عن فساد ودمار وتأخر هذه الأمة العربية والإسلامية (العظيمة!)، وأنه (أي الغرب) هو العقبة الكأداء الباقية أمام تطورها وعودتها لإسلامها ومجدها الديني العظيم، وأنه (أي الغرب) شيطان أكبر (الشيعة يقولون عن أميركا بأنها شيطان أكبر) متآمر زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي كأداة متقدمة له للحفاظ على مصالحه ومطامعه ومكاسبه الخاصة، ولزيادة النهب من ثرواتنا ومواردنا وخيراتنا ، ومنع أي محاولة واعية للنهوض والتقدم والنمو، ومواجهة أية إمكانية لإقامة وحدة عربية أو إسلامية فيما بين شعوب المنطقة. ويزداد غضب الدعاة الإسلاميين على الغرب وكل ما أفرزه وأبدعه خاصة العولمة ويصفها كثير من هؤلاء بأنها مؤامرة خبيثة يراد منها غزو شبابنا وشعوبنا وإلهاؤهم عن دينهم وثقافتهم والتزاماتهم وواجباتهم. وبالعودة تاريخياً إلى الوراء نلاحظ أن لهذا النمط التفكيري التآمري جذوراً قديمة منذ أيام الإسلام الباكر الذي نقرأ فيه عن قصة الرجل اليهودي ابن سبأ، الذي لا يزال يحمّل -كما حمل سابقاً- مسؤولية الفتنة الكبرى التي وقعت آنذاك، حيث إن قسماً كبيراً من عالم الإسلام والمسلمين لا يزال يؤمن ويعتقد بصحة هذه الفكرة، وبصحة ما يسمى بـ «بروتوكولات حكماء صهيون».. كما يذكر الدكتور محمد جابر الأنصاري في أحد كتبه. إذاً، هذا الخطاب الديني المتوتر والمتشنج يحاول بهذه الطريقة كسب المؤيدين له، واستمداد شرعيته من زرع مثل هذه الأفكار الوهمية في عقول الناشئة الباحثة عن معنى لوجودها في ساحة الحياة خاصة بعد فشل السلطات القائمة في إيجاد حلول عملية لمشاكلها من بطالة وعطالة.. وغيرها. • بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»
مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...
كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...
درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...
بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...
قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...
.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...
باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...
لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...
في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...
يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...
هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...