alsharq

منبر الحرية

عدد المقالات 129

التعليم ورهان التغيير الديمقراطي

15 نوفمبر 2011 , 12:00ص

كان للسياق الذي واكب التعديل الدستوري الأخير بالمغرب، سواء على مستوى التحولات السياسية في المنطقة والحراك المجتمعي الداخلي الذي قادته حركة «20 فبراير»، أو على مستوى الشكل الذي تم به من خلال استشارة عدد من القوى السياسية والحزبية والنقابية والحقوقية، أثر على مضامين الدستور. فهذا الأخير، وعلاوة على إعادة صياغة مهام السّلطات في إطار يسمح بقدر من التوازن والوضوح في الصلاحيات، وتجاوز مختلف الإشكالات المرتبطة بغموض النصوص في الدستور السابق أو تداخل السّلطات التي أفرغت المسؤولية الحكومية من مدلولها وفتحت باب التأويلات الواسعة، عمل على تعزيز ودعم الحقوق والحريات الفردية والجماعية للمواطن والتفصيل فيها. ورغم أهمية هذه المستجدات الدستورية، فإن أية عملية إصلاحية لا يمكن أن تتأتّى بصورة فعّالة وناجعة إلا بتنزيل مختلف المقتضيات الدستورية من عليائها وترجمتها إلى واقع ملموس، وبوجود مشروع إصلاحي مجتمعي تنخرط فيه وتقوده مختلف القوى المجتمعية من نخب وأحزاب ونقابات وإعلام ومجتمع مدني ومؤسسات تعليمية.. وتتحمل هذه الأخيرة مسؤولية كبيرة على مستوى مواكبة التحولات المجتمعية الراهنة وكسب رهان الانتقال نحو الديمقراطية الذي طال انتظاره، من خلال مقرراتها ومناهجها ومخرجاتها، ومعلوم أن جودة التعليم وانفتاحه على قضايا المجتمع أضحى مؤشرا رئيسيا من مؤشرات التنمية الإنسانية على الصعيد العالمي. إن رهان التغيير الديمقراطي يقود إلى وظيفة التنشئة الاجتماعية المبنية على المواطنة باعتبارها من المهام الأساسية المنوطة بالمدرسة، على مستوى ترسيخ القيم النبيلة داخل المجتمع، وبخاصة أن الديمقراطية لا تبنى بسن القوانين وإحداث المؤسسات فقط، بقدر ما تتأسّس على الاستثمار في الإنسان. إن التنشئة الاجتماعية هي عملية تستهدف إضفاء الطابع الإنساني على شخصية الفرد، فهي عملية تعلّم وتعليم وتربية، تقوم على الاتصال والتفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى تنمية شخصية الفرد وقدراته العقلية ومنحه الثقة في نفسه، من خلال الإسهام في تكوين سلوكه الاجتماعي ودفعه نحو التكيف الإيجابي مع محيطه المجتمعي، والإسهام في بلورة سلوكات اجتماعية وميولات نفسية مقبولة ومرغوب فيها، تتواءم والضوابط والقيم الاجتماعية والروحية.. التي يؤمن بها المجتمع. وهي من جهة أخرى، عملية منظمة ومستمرة، تقودها مجموعة من القنوات التي ينهل بعضها من القيم الاجتماعية التقليدية، والبعض الآخر من القيم الحديثة، وتتوخى إعداد الفرد طيلة مراحل حياته، ليكون كائنا اجتماعيا، من خلال التربية والتلقين والتعليم.. وبواسطة مجموعة من الرسائل والتوجيهات والقيم الاجتماعية بكل مضامينها الثقافية والروحية والفكرية والنفسية.. وهي عملية من المفترض أن تسهم في بلورتها مجموعة من القنوات، سواء تلك التي يجد الفرد نفسه بداخلها تلقائيا كالأسرة والمدرسة.. أو تلك التي تتاح له فيها إمكانية الاختيار، كما هو الشأن بالنسبة للجمعيات والأندية والأحزاب السياسية.. إن وجود الأفراد داخل هذه القنوات أو الانتماء إليها، يمكنهم من إشباع حاجاتهم الاجتماعية والنفسية، ويمنحهم الطمأنينة والقوة والشعور بالأمان في المجتمع. ومن هذا المنطلق، يفترض في هذه القنوات أن تعمل مجتمعة وبدرجات مختلفة وفي حدود من الانسجام على إكساب الأفراد الاتجاهات والقيم الاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية.. بما يسمح ببلورة تنشئة ناجعة وبنّاءة. ومعلوم أن الهامش المتاح للقنوات التقليدية المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، المسجد..)، أصبح يضيق بفعل التحولات الدولية الأخيرة، وبروز قنوات أخرى عابرة للحدود، تروّج لقيم اجتماعية ولثقافة «معولمة» من خلال وسائل الإعلام والاتصال الحديثة والمتطورة.. وتحتل المدرسة موقعا مهما ومحوريا في هذا السياق، سواء من حيث حضورها الفعال والمستمر في حياة الفرد، أو من حيث آلياتها المستثمرة في هذا الصدد. فالنشء يتلقى عبر هذه المؤسسة مجموعة من الرسائل والخطابات والدروس التي يفترض أن تغرس فيه الشعور بالولاء وبالانتماء للوطن.. وتقدم له صورة محددة لهذا الأخير من خلال مضامين مواد التربية الوطنية والتاريخ.. وتطور إمكاناته الفكرية والثقافية وترسخ لديه قيما نبيلة مبنية على الحوار والاختلاف والتسامح ومساعدة الآخرين.. وباستحضار واقع قنوات التنشئة الاجتماعية في المغرب، يبدو من أول وهلة وجود خلل ما يعتور وظائفها وحضورها في عمق المجتمع. فإذا كان التعليم يعتبر أحد أهم المداخل الرئيسية لتحقيق تنمية حقيقية محورها الإنسان، وبوابة لإعمال تنشئة اجتماعية بناءة، فإن عددا من التقارير تشير إلى المأزق الذي تعرفه منظومة التعليم في المغرب، من حيث عدم مسايرتها للتطورات العلمية، وعدم انفتاحها على قضايا المجتمع الحقيقية، بالإضافة إلى اعتمادها لمناهج وطرق تعليمية جامدة ومتجاوزة، ترتكز إلى الحفظ والتلقين والشحن، عوض الفهم والمناقشة والإبداع والتحفيز على طرح السؤال، وفي ظل نظم تعليمية وتربوية عقيمة، أغلبها ينحو للماضي أكثر منه إلى الحاضر والمستقبل، ويكرّس التقليد والتبعية بدل الاجتهاد والإبداع. وهو ما يفسر كون شهادات العديد من خريجي المعاهد والجامعات لا تعكس المستوى العلمي الحقيقي لحامليها، الأمر الذي يجعلهم عرضة للأفكار الخرافية واللاعلمية وللبطالة. كما أن الاعتمادات المالية المرصودة لقطاعي التربية والتعليم، تظل هزيلة بالمقارنة مع عدد من الدول المتقدمة التي تنبهت لأهمية الاستثمار في هذا المجال الحيوي. ويوضح تزايد انتشار نسب العنف في مختلف المؤسسات التعليمية (مدارس، ثانويات، جامعات..) مدى الخلل الذي يعتور هذه المؤسسات على مستوى وظيفتها المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية وترسيخ قيم الحوار. إن التقصير في تطوير هذا القطاع الحيوي، كان حتى وقت قريب مقصودا، أملته حسابات سياسية تحكمية ضيقة تأكد إفلاسها وخطورتها على الدولة والمجتمع.. ولعل هذا ما يفرض تكثيف الجهود من أجل بلورة سياسة تعليمية عقلانية ومنتجة وخلاقة، تنبني على رؤية استراتيجية متفاعلة مع الواقع المحلي ومع تحديات المحيط، وقادرة على إعداد جيل قادر على الابتكار والمبادرة.. إن الاستثمار في العنصر البشري عبر بوابة التعليم القويم والتربية السليمة للنشء باعتبارهما رأسمالا أساسيا لكل مجتمع، وتفعيل قنواتهما باتجاه بلورة تنشئة اجتماعية منسجمة ومتكاملة تقوم على تنمية شخصية الفرد، أضحى أمرا حيويا مفروضا في ظل الإكراهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبخاصة أن النشء يجد نفسه محاطا ومطوقا بـ «منتجات» تربوية عديدة متباينة تصل إلى حد التناقض أحيانا. والتنشئة المنشودة هي تنشئة من أجل التنمية، وتنشئة قادرة على إعداد جيل يرفض الظلم والخنوع والاستبداد، ويستطيع إبداء الرأي وطرح الأسئلة الكبرى بحرية وطلاقة، ويؤمن بالاختلاف وبالعمل الجماعي، وكفيلة بتحفيزه على الإبداع والتفاعل والفعل والتطوع والتضحية، إنها تربية تنبني أيضا على الثقة في النفس واحترام حقوق الإنسان، تربية عقلانية وواعية وبعيدة عن الارتجال والعشوائية، تتوخى في أبعادها تربية النشء على الإيمان بالتعددية وروح التسامح والمواطنة والديمقراطية. إن الاهتمام بجانب التربية يطرح بشكل ملح وجدي في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى، مع تنامي إكراهات العولمة التي أضحت تهدد قيم وثقافة المجتمعات المستضعفة عبر تكريسها في الغالب لنوع أحادي من القيم المادية والتنافسية الاحتكارية، وفي ظل تدفق المعلومات والقيم والأفكار المتباينة بشكل حر من خلال قنوات الاتصال المفتوحة التي لا حدود لها ولا رقيب عليها. إن تطوير أداء المنظمة التعليمية بشكل عام، حتى تكون في مستوى الرهانات والتحديات الراهنة في مختلف تجلياتها وأبعادها، يفترض استحضار مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية، من خلال سن تشريعات تدعم الحرية الأكاديمية وانفتاح المؤسسات التعليمية على محيطها المجتمعي بقضاياه المختلفة، وباعتماد مناهج «بيداغوجية» حديثة تعكس «عقلنة» العملية التعليمية وترسّخ ثقافة ديمقراطية مبنية على أسس المواطنة والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص، بالإضافة إلى رصد اعتمادات مادية وتقنية مهمة في هذا السياق، أسوة بالعديد من البلدان الرائدة والنموذجية في هذا المجال. إن إهمال هذا القطاع الحيوي يفوت فرصا مهمة على الدولة وعلى المجتمع برمته، وبخاصة أن «المستقبل سوف يعرف سباقا بين التعلم والكارثة» كما قال أحد المفكرين البريطانيين. ? كاتب مغربي ينشر بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية» www.minbaralhurriyya.org

مشروع فلسطيني جديد يواجه المشروع الصهيوني

مر على النكبة 66 عاماً، اختلطت فيها آلام اللجوء مع الكفاح والثورات وأحلام العودة. فالنكبة بصفتها عملية اقتلاع شملت مصادرة الأراضي والمنازل واحتلال المدن وتدمير مئات القرى وسط مجازر وتهجير جماعي ومنع السكان المواطنين من...

سيكولوجية الهدر عربياً

كان الهدر بجميع جوانبه المادية والزمنية والنفسية سمة من سمات حقبة الاستبداد العربي طيلة أكثر من أربعين عاما، سحق المواطن سحقا ثقيلا وكبتت أنفاسه وتحول إلى جثة متحركة بجسم لا روح فيه، في عملية تشيؤ...

سوريا إلى أين؟ بين إنكار السلطة الديكتاتورية.. وفشل المعارضة السورية (1/2)

درج النظام السوري على تأخير وتأجيل (بهدف إلغاء) استحقاقات الإصلاح السياسي، وكل ما يتصل به ويترتب عليه من متعلقات ومتطلبات اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية إدارية، وما يترتب عليه من تنمية إنسانية حقيقية تتحقق من خلالها تجسيد...

أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟

لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف...

روحاني والسياسات الإيرانية القادمة

بعد أحداث طهران 2009 الدامية على إثر الانتخابات الإيرانية التي اتهم فيها المحافظون بالتزوير، وصعد الإصلاحيون -بقيادة حسين موسوي وكروبي- احتجاجاتهم مطالبين بإعادة الانتخابات التي قوبلت بالرفض القاطع من المحافظين الأمر الذي أثار شكوك الإصلاحيين...

مبادرة النيروز: درس تركي جديد للعرب

قدم أحفاد كمال أتاتورك – مرة أخرى – درسا جديدا من دروسهم للعرب، فبعد أن نجحوا في إرساء دعائم دولة الحق والقانون، وبناء المؤسسات التي أهلت دولة تركيا للالتحاق بنادي الديمقراطيات ( معدل دخل الفرد...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (3/3)

.. شعب سوريا كما قلنا حضاري منفتح على الحياة والعصر، وعرف عنه تاريخياً وحضارياً، عشقه للعمل والإنتاج والتجارة والصناعة وغيرها من الأعمال.. وحضارة هذا البلد العريقة -وعمرها أكثر من7000 سنة- ضاربة الجذور في العمق التاريخي...

سوريا الحرية ستنهض من جديد (2)

باعتقادي أن التسوية السياسية الكبرى المتوازنة المنتظرة على طريق المؤتمرات والتفاوضات المرتقبة عاجلاً أم آجلاً (مع الأمل أن يكون للسوريين أنفسهم الدور الرئيسي في بنائها والوصول إليها) التي تحفظ حياة وكرامة المواطن-الفرد السوري، وتعيد أمن...

سوريا الحرية ستنهض من جديد(1)

لاشك بأن التغيير البناء والهادف هو من سمات وخصائص الأمم الناهضة التي تريد أن تتقدم وتتطور حياتها العمرانية البشرية والمجتمعية..وفي مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية عموماً المحمّلة بحمولات فكرية ومعرفية تاريخية شديدة الحضور والتأثير في الحاضر...

موقع المثقف العربي من «الربيع»

في خضم الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربي يمكن القول إن صوت المثقف العربي خافت من جوانب عدة فبعد مرور حوالي سنتين على بدء هذا الربيع يحتاج المشاهد والقارئ وبالتالي المواطن العادي إلى تحليلات...

التجربة الثورية العربية الجديدة (1/2)

يسهل نسبياً الانتقال من حكومة ديمقراطية إلى أخرى ديمقراطية بواسطة الانتخاب، كما يسهل الانتقال من حكم ديكتاتوري إلى آخر مثله من خلال الانقلاب، إلا أن الثورات الشعبية التي لا تتضمن سيطرة جناح محدد على بقية...

التحول الديمقراطي التركي رؤية من الداخل

هبت رياح التغيير على بعض الأقطار العربية منذ ما يربو عن سنتين من الآن، فصار مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون يتردد على أكثر من لسان، وأضحى الالتحاق بنادي الديمقراطيات حلم الشعوب المنعتقة من نير النظم...