


عدد المقالات 81
في السادس من يناير 2011، كتب مارك لينش في مجلة «الفورن بوليسي» عن المظاهرات في تونس، التي لم ينتبه لها الكثير في تلك الأيام، وفي مقاله هذا، كان أول من استخدم مفردة «الربيع العربي». بعد فترة قصيرة انتشرت هذه المفردة، وأصبحت مألوفة في العالم كله، وثبت الاسم، على عكس المسميات الأخرى، ثورة الياسمين، أو ثورة الغضب، أو ثورات يناير وفبراير وغيرها، التي لم يكن لها حظ قوي مثل كلمة «الربيع»، ربما لأن الأخير كان غيثاً بعد قحط، والمفردة وجدت مكانا ينتظر في قلوب السامعين. لكن اللحن الذي أطرب السامعين اختار أن يطول، والربيع المنتظر أخذ شكل العاصفة. والذين ادعوا وصلا بالربيع، وأنهم ومدارسهم وأحزابهم ومناطقهم هم من صنعوا الربيع وجلبوه، تبرؤوا منه اليوم، بعد أن لاحظوه أصبح «مغرماً» لا «مغنماً» في أذهان الكثيرين! عبر أربع سنوات، مرت أحداث مؤلمة، لم يتوقعها أكبر المتشائمين. أغاني الفرح، وبهجة الربيع العربي، تاهت بين «مد الأيادي» و «تسلم الأيادي». أصبح الربيع العربي ظاهرة صراع مجسدة، في الدول والأشخاص، وفي الجلادين والضحايا، وفيمن يحافظ على الوضع القائم ومن يطالب بتغييره. وطارت في الآفاق الدراسات والأبحاث التي تلاحق وتحلل هذه الظاهرة: صراع الربيع والنفط، الغرب ومؤامرة الربيع، الربيع في مواجهة الدولة العميقة.. إلخ. لقد كان الربيع باختصار، سيرة، فُتحت على أكثر من جبهة. ويلوم البعض اليوم مؤيدي الربيع، حين يخبر كيف أن أحداث الربيع العربي ولّدت المآسي العظمى. وفي هذا ربط ظالم. فأولا الربيع لم يكن مصنوعا ومرسوما من جهة محددة، حتى نوجه اللوم (أو المدح) له، بل هو نتيجة تراكمات وتداعيات لأحداث متنوعة، وظلمة الشعوب وفاسدوها هم أبرز سبب للثورات. ثانيا، تأييد الربيع العربي، ليس تأييدا للأحداث السلبية، بل هو تأييد لجماهير نزلت إلى الشارع وواجهت، فكان لا بد من صناعة موقف، إما إن تكون معها أو ضدها. ويخطئ كذلك، من يقارن الربيع بفترة أخرى، فيقول مثلا، انظر في السابق لم يكن لدينا هذا الكم من المشاكل والأزمات! فالمقارنة هنا لا تستقيم، فالوضع قبل الربيع العربي كان وضع «موات» وسكون لا حراك فيه، بينما الوضع بعد الربيع حراك وجدل إصلاح، ومحاولة تطور إلى الأفضل، ومجابهة المشاكل العميقة في العلن وبصوت عال. قال لي صديق مرة بفرح: أحمد الله أنّي رأيت الربيع العربي في حياتي، وكنت ممن شهدوا العرب، وهم لأول مرة، يصبح لديهم رئيس سابق، بلا اغتيال أو انقلاب. ولصاحبي بالتأكيد، كافة حقوق الفرح، ككل صاحب ضمير، اهتم لأحوال العرب، وكان مترقبا على الدوام للحظات التغيير. لقد كان التغيير المعنوي والثقافي أكبر من الأحداث السياسية التي تمت. دخلت مفردة الشعوب إلى الخطب السياسية وفي خطبة يوم الجمعة، ومجالس الناس أخذت تحكي عن الديمقراطية، وتسأل عن الدستور الفلاني، هل أُنجزت عملية كتابته أم لا. وصاحب الفكر «الجبري» الذي ملأ منابرنا وصحفنا بالقول إن على الناس الخضوع للاستبداد، لأنه قدر الله، أتى من يرد عليه أن الربيع العربي أيضاً قدر الله.. فاختر كما اختار عمر. ليست هذه المرة الأولى التي تحضر فيها مفردة الربيع، كان هناك «ربيع الشعوب»، و «ربيع براغ»، و «ربيع بيروت» وغيرها.. لكننا اليوم رأينا أن لمفردة الربيع العربي رنّة ونغمة وألقاً لم يماثلها فيها أحد. الربيع العربي، لم يكن مرحلة «حصاد»، بل مرحلة «بذر». كان مجرد تعديل وجهة وفتح للأبواب. كان المفترض ألا نستعجل النتائج، بل أن نبدأ رحلتنا تجاهها. فتح الأبواب يعني، مراجعات، ودروب جديدة على مستوى السياسة والمجتمع والتربية والفكر الديني، وكل ما يساهم في تشكيل المجتمع وصناعته. لقد مرت عبر هذا الربيع كافة أنواع المشاعر التي خبرها الإنسان، فحضر الفرح والحب والسعادة والخوف والارتباك والتشفي والكره والعداوة وغيرها.. المكسب الرئيسي تمثل في أن العرب أقبلوا على بعض، وعرفوا هموم بعض، وواجهوا مخاوفهم ومشاكلهم وجها لوجه، وأثاروا قضايا لطالما كانت مكبوتة. هل هو متعب أيضاً؟ نعم إنه مجهد ومتعب غاية التعب.. لكن الأمر يستحق. • Azizf303@gmail.com
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...