الأربعاء 17 ربيع الثاني / 02 ديسمبر 2020
 / 
02:59 م بتوقيت الدوحة

ماذا سنرسل لهم؟

د. سعيد حارب
في كتابه «The life of the cell»، «حياة الخلية» يرسم الكاتبTomas. Lewis «لويس توماس» صورة خيالية أقرب إلى أفلام الخيال العلمي، إذ يتصور أن البشر يقيمون علاقة مع مخلوقات تسكن على إحدى الكواكب البعيدة التي تحتاج السفن الفضائية ثلاثمائة عام للوصول إليها، ثم يتساءل ما الشيء الجميل أو الجيد الذي يمكن أن نرسله إلى تلك المخلوقات ويعبر عن إنسانية الإنسان، لكن الكاتب يتوقف عند اختيار هذا «الشيء» الذي يمكن أن يؤدي المهمة، لأن أي شيء لن يبقى على حاله بعد ثلاثمائة عام، ويتساءل هل نرسل لهم شيئاً من التكنولوجيا؟ إنها ستتغير بلا شك، وحين تصل السفينة يكون ما أرسل إليهم قد أصبح من مخلفات التكنولوجيا التي تتغير كل يوم فكيف بهذه المدة الطويلة، ويحاول الكاتب أن يختار أشياء مختلفة من حياتنا الإنسانية ولكنه يصطدم بمشكلة التغيير الذي يطرأ على ذلك الاختيار حتى حين أنه فكر أن يرسل لهم إنساناً لكنه وصل إلى نتيجة أن الإنسان الذي سيصل إلى ذلك الكوكب في وقت يكون فيه الإنسان على سطح الأرض قد تغير في سلوكه وتصرفاته وأفكاره. وبعد بحث طويل اهتدى الكاتب إلى أن الشيء الوحيد الجميل في حياة البشر الذي يمكن أن يرسل للمخلوقات على الكواكب الأخرى ولا يعتريه التغيير حتى بعد ثلاثمائة عام هو «الموسيقى الكلاسيكية‍‍ ويبرر «توماس» ذلك بأن الموسيقى الكلاسيكية تمثل نموذجاً للجانب الروحي من الإنسان وهو الجانب الذي لا يمكن لأي تغيير في الحياة أن يؤثر فيه، فرغم موجات التجديد في الموسيقى بمختلف أنواعها، فإن الكلاسيكية تبقى هي «الغذاء الروحي» الذي يحتاجه الإنسان، ولسنا في جدال مع الكاتب أو غيره في اختياره لما يعبر عن الجانب الروحي، ولكن ما يهمنا من تصوره الخيالي أن هذا الجانب هو المصدر الجميل في حياتنا وبدونه تصبح الحياة أشبه بمجمع من حديد الخردة المستهلك الذي تنبعث عنه رائحة الصدأ أو الحديد المتآكل، لقد سيطرت الروح المادية على مساحة واسعة من حياة الإنسان في العهود المتأخرة وأصبح الإنسان لا يشكل في حركة الحياة إلا ترساً في عجلة تدور لا يعلم أحد ماذا تعمل أو تنتج ومتى تتوقف، وهي في طريقها تسحق الإنسان بكل ضغوطها وإرهاقها حتى أصبح فيها الفرد يفر من العالم حوله وأحيانا من ذاته!! قد تحقق للإنسان في العقود الأخيرة من التقدم العلمي والإنجاز التقني ما لم يتحقق خلال كافة القرون الماضية مما يعد إنجازاً خارقاً للبشرية، لكن الإنسان حقق كذلك في ميدان التدمير للذات وللآخر، ما لم يحققه خلال القرون الماضية أيضاً، فقد دمر الطبيعة ونشر التلوث وأقام الحروب ونشر الصراعات وقسم الناس إلى مجتمعات راقية ومجتمعات متخلفة واستعبد الإنسان بصورة سحق فيها المستعبِد المستعبَد وحين أعطاه حريته سلمه مفتاح تلك الحرية بعد أن صدأت أقفالها ولم تعد تقبل الفتح، فرضي من خضع أن يستمر في خضوعه لأنه لا يملك مفاتيح الحرية. لقد كان القرن التاسع عشر قرن نشوء التفكير العقلاني، وكان القرن العشرون قرن التطبيق لهذا التفكير، لكن الواقع يشير إلى أن الإنسان لم يستخدم التفكير العقلاني بصورته الصحيحة، فحين دمر الطبيعة، وحين اخترع أدوات الحرب والقتال التي تكفي لتدمير الأرض ثلاثمائة مرة لم يستخدم تفكيره العقلاني، وحين استعبد أخاه الإنسان بسبب لونه أو جنسه أو موقعه الجغرافي أو تخلفه الصناعي لم يستخدم تفكيره العقلاني، وما زالت الحالة مستمرة، وهي التي أوصلتا إلى ما نحن عليه، إنها ليست صورة تشاؤمية على طريقة «مالتوس» صاحب نظرية التشاؤم، لكنها الحقيقة التي تنطق بها الأرقام والإحصاءات وكلها ترسم تلك الصورة السوداوية لما آلت إليه حالة البشر، لذا فحين يهرب (Tomas. Lewis) إلى الموسيقى الكلاسيكية ويعتبرها الرسالة الوحيدة التي يمكن أن نبعث بها للمخلوقات الأخرى ونقدمها كأفضل ما عندنا تعبيراً عن الجانب الروحي إنما يعبر عن حاجة الإنسان إلى هذا الجانب الذي يمكن أن يعيد له التوازن والاستقرار الذي فقده في ضجيج هذه الحياة، إن هذا الجانب لا يعني التخلي عن كل ما حققه الإنسان من تقدم وعلوم وتقانة، فلا يصرح بذلك عاقل، ولا يمكن أن نتصور الحياة المعاصرة بلا تلك المخترعات العلمية التي وفرت للإنسان راحته ورفاهيته وحفظت له صحته وحياته، فالتقدم الذي حققه الإنسان إنجاز لا يمكن التنازل عنه تحت أي مسمى، لكن ما يحتاجه الإنسان ليكمل فيه إنسانيته أن يوازن بين هروبه السريع إلى الأمام المجهول وحياته الروحية التي تحفظ له توازنه واستقراره، وقد تكون تلك «الروحية» في عودة الإنسان إلى ذاته الإنسانية يبحث عنها بعد أن افتقدها ليشعر باستقرار وطمأنينة أو تكون تلك العودة إلى معتقده الديني أو الفكري الذي يوفر للإنسان الإجابة على كثير من تساؤلاته عن كيف؟ ولم؟ وأين؟ ومتى؟ حتى تعود سفينة الإنسان تشق عنان الحياة غير عابئة بأمواج التحدي، وحينها قد نجد ما يمكن أن نرسله لغيرنا ولن يجد ((Tomas. Lewis تعباً في البحث عما يرسله.

اقرأ ايضا

الواقع.. وإرادة التغيير

29 يوليو 2013

عودة الاشتراكية!!

21 مايو 2012

النواحون!!

29 أكتوبر 2012

تركيا.. عقد من التحولات

12 يونيو 2011