alsharq

د. سعيد العلام

عدد المقالات 18

ناصر المحمدي 09 يونيو 2026
كأس العالم... والإرث القطري
د. خالد الجابر - المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة 09 يونيو 2026
الكوميديا الإلهية: العرب بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا
غاندي الزيدابي - السودان 13 يونيو 2026
انطلق المونديال وقطر في البال

من المثقف الأداتي إلى المثقف الحيوي

14 أبريل 2020 , 01:35ص

لقد أبانت أزمة جائحة «كورونا» في العمق الحاجة الملحة إلى تصدر المعرفة والعلم جبهة الدفاع عن الحصن الأخير للإنسانية، حتى لا تفقد معنى وجودها. كما اتضح جلياً زيف الخطاب الليبرالي الذي مارس صنوفاً من التضليل ضد ريادة المثقف التوجيهية للمجتمع: تحويل الجامعات إلى «فبريكات» لصناعة اليد العاملة المؤهلة لخدمة السوق، واعتماد التواصل الشبكي والمشروعات المهنية من أجل تحويل الأستاذية تدريجياً إلى بروليتاريا. إذا كان القرن العشرين عصر المراجعات الابستمولوجية، فإن القرن الواحد والعشرين ينبغي أن يكون عصر المراجعات الأخلاقية، لأنه عصر روحاني بامتياز. فغياب المثقف بهذه الحمولة المشبعة بالمعنى والحضور لسد الفراغ الروحي، سيفتح المجال لقدرية مستحكمة بالجهل، تنعش ثقافة الخوف والمجهول. لقد علمتنا جائحة كورونا درساً أخلاقياً غيّر نظرتنا للأشياء والكون، وأفرز نمطين جديدين من الحضور الجوهري للمثقف في المجتمع، أو ما أسميه بالطفرة الثقافية (صناعة الحياة): المثقف الحيوي ، ضمن نطاق العلوم الطبيعية أو العلوم الروحية، وهو حضور يتزامن مع التحول المعرفي من التقانة التحكمية المستلبة لكينونة الإنسان (سلطة الرقابة)، إلى التقانة التذليلية المحررة من سلطة التحكم (سلطة المسؤولية). إن المثقف الحيوي ضمن نطاق العلوم الطبيعية، مدعوماً بأخلاقيات الطب والبيولوجيا، مدعو لجعل المختبرات فضاءات مقدسة، مفعمة بالروح العلمية الجديدة المشبعة بروحانية العالم (مصير الإنسان المستباح)؛ فضلاً عن ذلك فهو قادر على تذليل التهديدية التي تمارسها انفلاتات التكنولوجيا الحيوية، وجنون البشر المتوحد مع سلطة الإله (صناعة الموت)، المدفوع برغبات تدميرية إيروسية. إن دور المثقف الحيوي هو خلق معيارية جديدة للاشتغال العلمي، بإعادة النظر في البنيات المؤسسية والبيداغوجية القادرة على جعل فضاءات المعرفة شبكات وعي جماعي مشدود إلى تخليق الحياة العلمية، والمسؤولية الاجتماعية، والمدنية، والالتزام المدني، والالتزام العام بخدمة المجتمع. لكن هذه المسؤولية الأخلاقية مشروطة بتحقيق أربعة مقومات أساسية: الحرية الأكاديمية بالتخلّص من سطوة المقاولة وثقافة «البزنس»، والتفاضلية المعرفية كشرط للتراتب المعرفي، والاستقلالية في سياسات التدبير العلمي والفني، والدعم الإيجابي لشبكات الإحسان الإنساني. إن المثقف الحيوي هو المستند إلى شرعية حيوية تدعم الحياة، وليس شرعية إيروسية مدفوعة بالطموح العلمي والرغبة في تملّك العالم. من جانب آخر تتجلى الطفرة الثقافية بانبثاق المثقف الحيوي ضمن نطاق العلوم الروحية، دون أن نسقط في متاهة تضليل المفهوم، الروحية نزعة تستلهم المنعطف المعرفي الذي يعيد طرح سؤال المعنى، ليس ضمن نطاق إعادة الميتافيزيقا إلى الحياة. إنها مستلهمة من مفهوم العلوم الروحية لدى «ادموند هوسرل»، أي التحول نحو المعنى، الوحدة بين العلوم والقيم وبين نظام الوقائع ونظام الغايات. فالمثقف الحيوي محموم بصناعة المعنى، ومنشغل بإعادة تعريف العالم؛ فهو القادر على سد الفراغ الحاصل على المستوى الروحي، قطعاً مع كل أشكال التيئيس، وصناعة اليأس (مصير الإنسان المستلب). إن قيادة المثقف للمجتمع لا تستمد شرعيتها من النسق الأفلاطوني (المثقف الفاعل/الأمير)، وليس مثقفاً عضوياً بالمعنى الذي تصوره «غرامشي» (المثقف المتفاعل والمنفعل بطبقته)، أو بالمعنى الذي قدمه «سارتر» (المثقف الملتزم بقضايا المجتمع). إن المثقف الحيوي دعوة لعودة الروح لكيان اجتماعي فقد بوصلته في فهم العالم والحياة، إنه ينهض بوظيفة توجيهية / إحيائية، تعيد طرح أسئلة المعنى التي افتقدتها الإنسانية، أي إزالة التعارض بين الموت والحياة، بين الشكل والمضمون، بين الذات والموضوع، بين النسبي والمطلق، العقلاني واللاعقلاني. إنه بكل بساطة من يبدع ويوزع ويمارس الحياة، أي العالم الرمزي الخاص بالإنسانية، والذي يتضمن الفن والعلم والدين. إن مهمة المثقف الحيوي، هي إعادة القدسية للعالم (الإنسان/الطبيعة)، وتخليص الإنسان من سطوته المرضية على الطبيعة؛ وإجمال إعادة ترتيب شؤون العالم الذي فقد صوابه، إنه دعوة إلى الالتزام بقضايا الإنسانية ضمن نطاق وحدة المصير، مسؤولية صناعة إرادة الحياة، ضد جنوح العلم والفكر الإيروسي الذي يصنع إرادة الموت والفناء. المثقف الحيوي كائن عابر للمجتمعات، منفلت من القومية والأيدولوجيا، لا منتمي ثقافياً وحضارياً، ممتد نحو الانتلجانسيا الحيوية، بوصفها كتلة تاريخية تؤمن بوحدة العالم وبصلاحيته للحياة، وأن العالم فسيح يتسع للجميع، ولا يسع التفاهة والاستباحة والاستلاب الممارس على البشرية.

آيا صوفيا مسجدا: ملامح صدام حضاري

هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت...

مستقبل الإسلام ما بعد جائحة «كورونا»: صدام البرابرة

إن أهم ما يسم العالم ما بعد «كورونا» هو وضوح الصراع الحضاري وانكشاف خلفياته، فضلاً عن تجلّي المبرّرات الأيديولوجية التي تحكم دعاة صدام الحضارات. إذا كانت الخلفية الفلسفية للصدام تؤطرها الفلسفة الهيجيلية التي تدّعي الضرورة...

الربيع الأميركي: مصير إسرائيل

إن أكثر الدول قلقاً ممّا يحدث في أميركا هي الكيان الصهيوني، باعتبار أن أي تغيير في مصير أميركا سيجعل لا محالة مصير هذا الكيان مجهولاً، لا أعتقد أن هناك شيئاً اسمه إسرائيل خارج نطاق النبوءات...

الربيع الأميركي: النبوءة والسياسة

من الأسباب الجوهرية التي تعلن عن بداية نهاية أميركا، هيمنة العقائد الدينية على السياسة الأميركية، إن استقصاء بسيطاً لبعض هذه النبوءات، سيفسّر العديد من الألغاز والأحداث التي تعتمل الآن، وتبدو غير منطقية في السياسات الأميركية...

الربيع الأميركي: اختلال العقل الأخلاقي العام

إن من أسباب سقوط الإمبراطوريات العظمى، ما أسمّيه اختلال العقل الأخلاقي العام، وهي فرضية لا تخرج عن نطاق الحتميات التاريخية التي هيمنت على بعض فلاسفة التاريخ، وتستند إلى منطقين أخلاقيين: الأول هو الحتمية الهيجيلية التي...

تفاهة الشمولية: الأمن الحيوي وعولمة الخوف

إن صناعة الخوف من أكثر مظاهر الشمولية شيوعاً، لأنها تنفذ إلى أعماق الطبيعة الإنسانية المفعمة بغريزة حب البقاء والرغبة في تفادي الموت، لقد تفنّن الفكر الشمولي في سعيه لتبرير الاستبداد في إبداع قواعد ذهبية لصناعة...

تفاهة الشمولية: أفول عصر الحرية

إذا كان عصر الحرية المُستلهَم من روح الأنوار وفلسفات الحق الحداثية، التي اختزلها «ستيوارت ميل» في عبارة: «إن للفرد سلطاناً مطلقاً على نفسه وجسمه وفكره»، والتي ظلّت شعاراً لعصر الحرية المفرط في فردانيته؛ كما أن...

تفاهة الشمولية: من عصر الاستهلاك إلى عصر الرقابة

إن من أكثر أوجه الشمولية بشاعة هو التَحكُّم في رقاب العباد عن طريق ابتكار أساليب رقابة شاملة، كلما كانت مبتكرة وكاسحة كلما ازدادت سطوتها. إن الحقيقة غير المُعْلَنة لهذه الرقابة الشاملة ذات امتداد ميثولوجي ،...

تفاهة الشمولية: خبث العقل الكلي

لقد استعرنا عبارة «هيجل»: «خبث العقل الكلي» كمفهوم مرتبط بالوعي التاريخي؛ حيث يستعين الروح المطلق في سعيه إلى الاكتمال بشخصيات مؤثّرة في حركة التاريخ؛ حيث تتكامل المصالح الجزئية لهذه الشخصيات مع إرادة الروح الكلية. إن...

العولمة وضد العولمة.. وجهان لهيمنة واحدة

إن أطروحة الحتمية الكونية التي بشرّتنا بها العولمة كصيرورة حضارية، تبرير نظري لمشروع هيمنة السيد العقلاني على الإنسان الشرقي الغارق في الضلالات والتعصب؛ ولعلّ كتاب ليفي بريل «العقل البدائي» إنجيل كل التصورات المدافعة عن عولمة...

تداعيات جائحة «كورونا»: مناعة القطيع أم مناعة الضمير؟

كل الدول تسارع في البحث عن سياسات صحية مناسبة لاحتواء جائحة «كورونا»، وفي غمرة البحث هذه يُطرَح سؤال حيوي: هل نحن بحاجة فقط إلى مناعة حيوية (بروتوكول علاجي) أم مناعة ضمير (بروتوكول أخلاقي/ وقائي)؟ الأمر...

تداعيات جائحة كورونا: سلام الشعوب بدلاً من سلام الدول

إذا كان تهديد الحروب النووية جعل من الدولة العالمية أمراً ضرورياً يفرضه المنطق، فإن الحروب البيولوجية -أو ما أسماه زيجموند باومان بـ "الخوف السائل" الناتج عن الانفتاح الفاسد للمجتمعات بفعل العولمة السلبية (أسواق بلا حدود)...