


عدد المقالات 103
حين ابتسم ابتهج نصف وجهه فقط وظل النصف الآخر جامداً كنا نقف جميعاً في صف طويل ننتظر الباب أن يفتح لنخلد إلى مقاعدنا، حين انتهى الفيلم الفرنسي خرج الجمهور صامتاً مسكوناً بالموسيقى وبالفن رفيع المستوى، كنا نبتسم فقط، كأنما نقبض على الفرحة التي أهداها إلينا المخرج. رأيته مرة أخرى، وكان بصحبة مجموعة، ثم وهو يتحدث انحرفت شفتاه وخرجت الكلمات ثقيلة ومائلة. ورغم أن الابتسامات الكاملة نادرة، لكني لم انتبه إلا حين شاهدت الوجه يعاني ويتقلص ليرسم مشاعره، فتتحداه العضلات ولا تسمح إلا بالنصف، تذكرت أني خبأت نصف ابتسامتي مرات عديدة، يوم التقيت بطفل من ساكني الشوارع في ميدان التحرير وسط الملايين التي اجتمعت لنداء العيش الكريم والحرية والعدالة الاجتماعية، قال لي: إنه يسكن المطرية، وإن والديه في انتظاره، وإن أباه رجل حنون. قال لي عكس ما بدا على وجهه وعلى ذراعه ورقبته من آثار التعذيب. لم أملك إلا نصف ابتسامة تعيسة أطلقتها في الهواء. لأني لحظتها كنت فارغة من الإجابات. كان قبح الفقر قريباً قريباً حتى أغشاني. وقبل عدة أيام وفي يوم أطلق عليه «جمعة تطبيق الشريعة» استندت حافلات فقيرة إلى جوار مبنى البرلمان الخاوي، وتراصت في الشارع الخلفي لمبنى السفارة الأميركية العامرة بمتخذي القرار المصري، السيارات الفقيرة كانت منتشرة بوسط القاهرة تنتظر أصحاب اللحى الطويلة والجلاليب الأفغانية ليفرغوا من لعن النساء والترويج لزواج الأطفال لتعيدهم إلى قراهم بعد إنجازاتهم في غزو ميدان التحرير، لمحت طفلاً لا يزيد عمره عن سبع سنوات بصحبة أبيه المنشغل في حوار عالي الصوت، الصغير المتعثر في جلبابه الأسود الطويل ابتسم لي وأنا ألوح له بعلم مصر، وحين قذفت إليه بقطعة حلوى التقطها بمهارة وغمرني بنظرة شكر، حين التفت أبيه وتطلع إلى شعري العاري والحلوى بيد طفله. لم يجد سوى نصف ابتسامة فارغة فبعثها لي وجذب صغيره من يده وابتعدا. تتقلص الابتسامة إلى النصف جراء مرض يصاب به البشر حين يتعرض عصب الوجه إلى خلل يؤدي إلى عدم القدرة على التحكم في عضلات الوجه. فيبتسم المصاب نصف ابتسامة، ويتحدث بنصف فمه، وحين يبكي تسقط الدموع من عين واحدة. يسمى المرض شلل بيل. حيث وصفه الجراح الاسكتلندي تشارلز بيل Charles Bell عام 1821. هو شلل يصيب عصب الوجه (العصب المخي السابع). وتوجد أسباب كثيرة تسبب الشلل الوجهي. مثل أورام المخ، أو الجلطات، ويعتبر شلل بيل أكثر أنواع شلل الوجه شيوعاً، وهو يحدث بنسبة 25 لكل 100.000 سنوياً. يحدث بصورة مفاجئة. وهو أحد أكثر الاضطرابات العصبية التي تصيب الأعصاب المخية cranial nerves. وفي العادة يشفى هذا المرض تلقائياً بعد بعض الوقت والجهد. وبرغم إدراك الطب المبكر لشلل الوجه. فإنهم لم يدركوا أنواعه الأخرى الكثيرة. فقد رأيت الزعيم الإخواني الكبير وهو يبتسم نصف ابتسامة في لقطة له تجمعه مع عدد هائل من الشباب من كافة التيارات السياسية. يومها أجاب على كل الأسئلة بفيض من الكلمات وبنصف ابتسامة. كذلك فعل زوج إحدى نساء العائلة التي تلقت ابتسامة منقوصة قبل رحيل زوجها إلى عمله بإحدى دول الخليج. ثم بلغها بعد أشهر قليلة خبر زواجه من أخرى. نصف الابتسامة المرض أو الألم أو الرفض أو الإقصاء أو السخرية أو حتى الانهزام يبقى فعلاً منقوصاً غير مكتمل. فعل ينقصه شجاعة البحث عن النصف الآخر من الابتسامة التائهة أو الضائعة أو المريضة. في حواري مع طبيب أعصاب متخصص في علاج «شلل بيل» ذكر أن العلاج يحتاج إلى جهد طويل وتدريبات ومراجعة عميقة للذات لاكتشاف أسباب الغضبة المكتوم الذي كثيراً ما يكون السبب الرئيس في الإصابة. لكن التحدي يكمن في نصف الابتسامة التي لا يشخصها الأطباء. تلك التي ترتسم على وجوهنا هرباً من ألم. أو بسبب عجز عن المواجهة، أو لإعلان التحقير لآخر نرى أنه لا يستحق كامل ابتسامتنا. نصف الابتسامة الملعونة تلك تعلق الفرح. هكذا فسرت السيدة العجوز نصف ابتسامة رجل رأيته في منامي قبل اثنتي عشرة عاماً. في الحلم كنت أحب الرجل وأنتظره بجوار شجرة وارفة. وحين أتى ظل بعيداً ولم يقترب وبعث فقط بنصف ابتسامة ثم رحل. العجوز الخبيرة قالت: سيؤجل الفرح، بعد أقل من أسبوع من ذلك الحلم، فقدت حلمي. وراح طفلي الصغير الذي ما زلت واثقة أنه لو كان قد أتى ولم يبكر في الرحيل لكانت له عينان واسعتنان وصوت كالموسيقى. لو كان أتى لكان له ابتسامة كاملة نابعة من قلبه. لكانت ابتسامته كابتسامة كل الأطفال. طازجة غنية عميقة صريحة. فابتسامة الأطفال تكسر الجدر وتمحي الخلافات وتغسل المرارات. ابتساماتهم تطير في كل مكان حولنا، تعمر الفضاء، ولكي نبتسم ليس علينا إلا رفع رؤوسنا لأعلى، والتحليق عالياً وبعيداً عن المنافع والوجع.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...