


عدد المقالات 81
حين اخترعت الطابعة في أوروبا في القرن الخامس عشر، استغرق الأمر ثلاثة قرون قبل أن تصل لمنطقتنا العربية، بينما الإنترنت الذي انتشر عند الغرب في التسعينيات، انتشر لدينا في نفس الأعوام. نحن محظوظون بذلك، وهذا هو الفرق بين الإنترنت والطابعة، لكن ما المشترك؟ المشترك أنّ كليهما عمّم المعرفة ونشرها بين الناس، وكلاهما أيضاً تمت محاربته ممن يفترض أنهم أهل المعرفة والعلم. فحين انتشرت الطابعة حاربها الكهان وسدنة الأديان، لأن الناس أصبحت تطبع الكتاب المقدس وتقرؤه، بينما رجال الدين أرادوا احتكار المعرفة، وأن تصبح القراءة صنعةً لهم دون الناس، فأي سلطة أقوى ممن يستفرد بمعرفة الرب، ويمزج بين أقواله والمصلحة الشخصية له؟ الطابعة جعلت الجماهير تقرأ، أما الإنترنت فجعلها تكتب. في الأولى الناس أصبحت تقرأ بنفسها وتكتسب المعرفة دون وسيط، وفي الثانية أصبحت الناس تكتب وتصنع المعرفة وتصدّرها دون وسيط، وهذا أيضا خطر على تلك النخب التي كانت طوال تاريخنا، تحتكر فهم المعرفة ونشرها. أصبحت المعرفة تصدر من الناس بطرق أكثر احترافية، ويتوقف هذا المقال مع موقعين كأمثلة تدلل كيف أن المحتوى المعرفي مثل أساسا مهما في نجاح الشبكات الاجتماعية الجديدة. وبالجديدة أعني الشبكات التي أتت لاحقا بعد كبريات الشبكات مثل فيس بوك وأنستجرام وتويتر. فبعض الرواد من المساهمين الأوائل في الشبكات الأولى، انطلقوا لتأسيس شبكاتهم الجديدة، واختار بعضهم المعرفة كمحتوى يتم الرهان عليه لأجل الانتشار والنجاح. تشارلي شيفر أحد المساهمين الأوائل في نجاح فيس بوك، أسس مع شريك له موقع «كيورا»، وهذا الموقع هو عبارة عن أسئلة وأجوبة، ومعروف هو مقدار التحريض المعرفي الذي تثيره هذه اللعبة في حياة البشر. في هذا الموقع تم الحرص على نوعية المواد المطروحة، الأسئلة المثيرة والجادة تجد المتخصصين وغيرهم ممن يتنافسون على إنتاج أفضل الأجوبة، وكل هذا في إطار شبكة اجتماعية تمكن من متابعة ما يثيرك من مواضيع واهتمامات. وجود الجواب المناسب في حقل اهتماماتك أمر مثير، لكن قبل ذلك، ملاحقة واكتشاف «الأسئلة» فيه، أمر ملهمٌ جداً. ومثلما يقال إن «الكاش هو الملك» في عالم التجارة، ففي الإنترنت يقال اليوم إن «المحتوى» هو الملك. وهؤلاء الشباب العباقرة، الذين نجحوا على مستوى القيمة قبل النجاح على مستوى المال، أدركوا أنه في مجال المبادرات، لا بد أن تكون هناك «وظيفة» للمشروع، يحتاجها الناس أو تمثل لهم قيمة، ومسألة الربح تأتي لاحقا في المشاريع الريادية. أيضاً، «ميديوم»، هو التطبيق الأخير الذي أسسه الريادي الشهير إيفان ويليامز عام 2012، بعد تأسيسه بداية لموقع التدوينات الشهير «بلوجر» الذي باعه لجوجل، وصولا إلى مشاركته في تأسيس تويتر. وميديوم هو منصة رائعة للكتاب، تُدمنها بضمير مرتاح، وهي تنقسم بحسب المواضيع، وهدفها بحسب مؤسسها إيصال الكتّاب بأكبر عدد من الجمهور، والمشاركون في ميديوم هم من جميع الأنواع: كتّاب بارعون، ومتخصصون، وهواة، يجمع بينهم حيوية المواضيع، والنوعية المميزة في الكتابة، وهو ما يمثل رهان هذا الموقع. ويبدو أنها سميت ميديوم لأنها توفر مواد متوسطة الحجم بين مساحة تويتر الصغيرة وعالم المدونات الطويلة. أليس الذي يضع رابط مقاله في تويتر مثلا، يحصل على أفضل فرصة من القراء اليوم؟ هذا ما تفعله هذه الشبكة حين وضعت الكتاب والقراء في شبكة اجتماعية. قالت العرب: «من ألّف فقد قدم عقله في طبق»، للتدليل على أن الكتابة أمرها ثمين، حين تكشف للإنسان عقلا آخر. والإنترنت، تقريبا، ليس سوى قراءة وكتابة ومشاهدة، ولذا من الطبيعي أن يكون ارتباطه بالمعرفة عميقا. والشبكات الاجتماعية الجديدة إذن لم تكتشف حقلا جديدا هنا، بل اختارت تطوير محتوى مهم وأساسي، وهو المحتوى المعرفي، وذلك من خلال التركيز على النوعية، فقد كانت أهم الانتقادات التي كنا نعرفها عن انتشار المعرفة ورواجها بين الناس، هي أنه مع جنون الشبكات، كان هناك انتقاد واسع لانخفاض نوعية المكتوب، وعدم موثوقيته كونه يصدر من أي أحد. وهذا ما حاولت الشبكات الجديدة معالجته، بالتركيز على تطوير نوعية المحتوى. هذا الأمر ليس مجرد هواية، ولا مزحة، فالجانب المعرفي وطريقته ستغير حياتنا. وكل حديثنا عن استبداد وظلم وغيره من ظواهر سياسية، هو أمر قد تختلف معالجته كليا في الغد. إن المعرفة التي ينتجها الناس، تدخل في حكم العرف والحقيقة والاعتقاد. قبل وقت طويل، رأى عالم الاجتماع كارل مانهايم، أن المعرفة نسبية وتتشكل اجتماعيا، والمفاهيم والأعراف والحقائق التاريخية تتشكل عبر الزمن. لذا، إن كان للمعرفة طابعا اجتماعيا، كما يقول مانهايم، وهو مؤسس علم اجتماع المعرفة، فأين يا ترى يصل سقف توقعاتنا، ونحن نرى مشاريع المعرفة تتطور سريعا هكذا. • Azizf303@gmail.com  @Azizalhies
قبل أيام تم بث الحلقة الأخيرة من برنامج «في العمق» على قناة الجزيرة، بعد إطلالة البرنامج الأسبوعية منذ العام 2009، وعلى مدى سبع سنوات. حين قدمت إلى العمل في البرنامج قبل سنوات، كان الأمر صعبا،...
أجدادنا في السابق كان الكثير منهم مبادرين في تدبر وكسب قوتهم، في أمر مشابه لمن يسمون اليوم بالأنتروبنورز، أو رواد المشاريع والمعتمدين بشكل جدي على ذواتهم. تدبر المعاش والرزق كان مهمة يومية جادة. وبعد تشكل...
لأول مرة يُسقط الكونجرس الأميركي فيتو لأوباما، وذلك في تصويت مجلس الكونجرس الأميركي حول قانون «العدالة مع رعاة الإرهاب» المسمّى جاستا JASTA. تمرير هذا القانون بلا شك سيعمل على زعزعة علاقة متينة بين البلدين استمرت...
السلوفيني سلافوي جيجك يعتبر تقريبا أهم فيلسوف يساري على قيد الحياة. حظي جيجك القادم من شرق أوروبا بشهرة متصاعدة نظير نقديته العالية التي تضرب في المقام الأول في الأوضاع القائمة في الغرب. وجرأة كتابات جيجك...
الشبكات الاجتماعية حقول متنوعة، ساعدت الناس على الانطلاق، ونشر الرأي والمعلومة، ودعمت ظهور الأفكار وحرية التعبير عنها. لكن يبقى بعد كل هذا المدح الذي تم سبكه لأجل الشبكات الاجتماعية، أن نتدارك الأمر قليلا، ونعرف أن...
بعد مقتل استراتيجي تنظيم الدولة والمتحدث باسمها، أبي محمد العدناني، الأسبوع الماضي، يستمر مسلسل خسارات تنظيم الدولة، فبجانب خسارة الأراضي والمقاتلين، وقطع خطوط الإمداد عليه، قُتل أكثر من عشرة قياديين بارزين للتنظيم في مجلس الشورى...
ذاكرة البشر محدودة وقصيرة، وإن كانت هذه الذاكرة مشغولة بالكراهية فماذا سيبقى منها لصنع حاضر أفضل؟ حضور الكراهية الدائم في الذهن يعني إعادة إنتاج الواقع وفق تصور هذه الذاكرة، وهذا يصعب الأمر خصوصا على المجتمعات...
مفهوم النظام الأبوي (البطرياركي) في علم الاجتماع، يقصد به المجتمع السلطوي، ذلك المجتمع الذي ينبني على الخضوع لمن هو في الأعلى دوما. أتت التسمية من تشبيه هذه العقلية بسيطرة الأب في العائلة، حيث يكون الأب...
الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، إن أردنا التبسيط، هو في التفريق بين المجتمع الذي اخترته، والمجتمع الذي كان معك منذ ولادتك ولم يكن لك خيار فيه. القبيلة والطائفة مثلا محسوبة على المجتمع الأهلي، لأنها...
تصدير الديمقراطية سلعة أميركية، والانقلاب عليها أيضا سلعة أميركية بامتياز. في النصف الثاني من القرن العشرين، كان الملف الأميركي واضحاً في دعم الانقلابات حول العالم، ويعدد ويليام بلوم في كتابه «قتل الأمل»، ما يقارب أربعين...
في العادة، لا يذهب الناس عميقا في نقاشاتهم الجماعية أو الثنائية، لأنهم يخشون النقد ويتجنبونه. حضور النقد قد يأخذ الحديث إلى منحى آخر، وإلى هجوم متبادل وصراع. وفي عالم الإنترنت اليوم، كثرت الأحاديث وصراعات الرأي...
لا تكمن ميزة الديمقراطية في أنها فقط قد تحقق للمرء ما يريد، بل أيضاً أنها تعوّد المرء على قبول ما لا يريد. في عام 2008 حين قدم أوباما للسلطة في الولايات المتحدة، أذكر أن طالبا...