


عدد المقالات 283
أغرم التونسيون فجأة بالمطالعة، وهم الذين لا يقرؤون في المعدل العام أكثر من صفحة واحدة في السنة، والتهموا «الكتاب الأسود» الذي أصدره رئيسهم المؤقت كما لم يفعلوا قط مع كتاب آخر... حتى حق عليه القول بأنه ملأ الدنيا وشغل الناس. وعلى مدى أسبوعين ما زال «الكتاب الأسود» الذي تقول الرئاسة في تونس إنه يوثق أسماء المورطين في المنظومة الدعائية للرئيس السابق بن علي يتصدر واجهة الاهتمام الشعبي. ويحظى بأكثر التعليقات التي لم يكن أحد في مؤسسة الرئاسة يتوقعها في تفظع كوابيسه، خصوصا بعد أن تسربت الأزمة السياسية إلى الشارع الرياضي بسبب إدراج اسم شيخ الأندية التونسية الترجي الرياضي التونسي ضمن منظومة الفساد! الظرفاء من القوم لم يدعوا الفرصة تمر دون أن يتساءلوا عن سبب غياب أسماء «نيلسون مانديلا» و «جاك شيراك» و فيروز و محمود درويش وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني ووردة و»مريام ماكيبا « ووديع الصافي وصباح فخري ويوسف شاهين وماجدة الرومي ونجيب محفوظ دون أن ننسى عائلات أبو القاسم الشابي والبشير خريف ومحمود المسعدي ومصطفى خريف وبيرم التونسي محمد عبد الوهاب وغيرهم من الكتاب وجميعهم مكرمون من طرف الرئيس السابق وكالوا له المديح!.. ملاحظة لماحة وتملك وجاهة ما دام اسم البطل الأولمبي محمد القمودي حاضرا. وكذلك أبطال آخرون في الرياضة وفي الثقافة والفكر حظوا باهتمام آخر إصدار لـ «كتاب أسود» في العصر الحديث. للكتب ألوان وأشهرها الأحمر لـ «ماو سيتونغ» والأخضر للقذافي.. إلا أن كثيرين أصدروا كتبا سودا بما يبعد صفة اليتم عن «الكتاب الأسود» التونسي. فهو لم يكن اختراعا للعجلة ولا للبارود.. قبله. وبحسب التسلسل التاريخي هناك الكتاب الأسود لليزيديين يضم تعاليم ومعتقدات تلك الطائفة المنحرفة منذ عام 132 هجري، ويسمونه أيضاً «مصحف رش» ومن أهم ما فيه تقديس طائر الطاووس! هناك أيضاً «الكتاب الأسود للشيوعية» متحدثا عن جرائم وفظاعات و «الكتاب الأسود للكنيسة» الذي وثق فيه القس «دي روزا» سوء استخدام السلطة والوشايات وأعمال العنف السادية والجوع الجنسي داخل أسوار الفاتيكان.. و «الكتاب الأسود» للزعيم المصري مكرم عبيد باشا بعد طرده من حزب الوفد... أما أخطر ما صدر في عالم السواد «الكتاب الأسود» للزعيم السوداني خليل إبراهيم. القريب من فكر الشيخ حسن الترابي. والذي يقال إنه كان شرارة النار الأولى التي ألقت بإقليم دارفور في الجحيم. وبما أن «الجحيم هو الآخر» كما قال «جان بول سارتر» ارتأت الرئاسة التونسية المؤقتة أنه من عين العقل إصدار هذا الأثر في هذا الوقت بالذات فأشعلت النار في ردائها (برنوسها) عندما حفزت آخرين على الانهماك في جمع ما تيسر من وثائق ومعلومات لإصدار «كتاب أسود للترويكا» الحاكمة في تونس وأزلامها.. تجذيرا لمقولة «من كان منكم بلا خطيئة فليرمني بحجر». وتكريسا لنظرية أن الحكام متساوون كأسنان المشط. ولا فرق بين حاكم وآخر إلا بحجم أخطائه وخطاياه. وأيضاً بمن اصطفى من الأزلام. ألا يحيلنا كل ذلك إلى المدرسة الفنية المعروفة بـ «المأساة- الملهاة»؟ للتذكير فقط فقد ازدهرت تلك المدرسة في القرون الوسطى. إذا يمكن القول سلفا إن المسلسل المشوق لن ينتهي قريبا. فقد وعد مستشار الرئيس المؤقت بجزء ثان من الكتاب. فيما ينتظر التونسيون بشغف «الكتاب الأسود» المضاد. وقد بدأت النيران الصديقة تدوي في غرفة الحكم الثلاثي. ما يشي بأن الأمر لم يكن خطا عرضيا سيتم تجاوزه، وإنما خطيئة سياسية كبرى قد تخرج تداعياتها عن السيطرة في أي لحظة. ومن المفارقات الطريفة أن الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي مصدر الكتاب الأسود الذي أشعل فتيل فتنة جديدة بين التونسيين. ترك كل اللغط وراءه وكان أول الطائرين إلى جنوب إفريقيا للتعزية في وفاة أيقونة التسامح «نيلسون مانديلا»! ومن المفارقات الأخرى أن أحد مستشاريه طلع على الشاشة وهو يحاول جاهدا تقديم اعتذار لأنصار فريق الترجي الرياضي التونسي. لكنه لم يستطع. فزاد هياج الناس واتسعت رقعة الحريق. الحكام ليسوا معصومين من الخطأ لكنهم أول من يتوجب عليهم الاعتذار البواح عندما يجتهدون فلا يصيبون إلا أنفسهم في مقتل.. فالرئيس الفلبيني «بينينيو أكينو» الذي ابتسم وهو يتفقد حافلة مخطوفة ومثقوبة بالرصاص في مانيلا، اضطر إلى المسارعة بالاعتذار وقال «ربما أسيء فهم ابتسامتي وإذا كنت قد أسأت إلى مشاعر أناس بعينهم فإنني أعتذر لهم.. من الواضح أنه ليس هناك أي متعة في موقف كهذا». ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق «غوردن براون»، الذي اضطر للاستماع إلى انتقاد وجهته له إحدى الناخبات. نسي أن يغلق الميكروفون المعلق على بدلته فسمعت وسائل الإعلام تعنيفه لأحد مساعديه وهو يصرخ في سيارته «هذه مصيبة. من الذي اقترح أن ألتقي بهذه السيدة؟! إنها امرأة متعصبة».. فكان أن اضطر للذهاب إلى بيت تلك السيدة لتقديم بالغ اعتذاره، ثم ظهر في التلفزيون لائما نفسه ومتعهدا بألا يكرر فعلته تلك مستقبلا! «كيفما تكونوا يولى عليكم» إلا في تونس حيث الكلمة الأكثر تداولا بين الناس «سامحني خويا».. لذلك فعندما يعجز الحاكم عن الاعتذار حتى وهو يمارس الأشد من القتل لا يترك للشعب غير استعارة عنوان المبدعة أحلام مستغانمي «الأسود يليق بك»!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...