الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
08:22 ص بتوقيت الدوحة

آيا صوفيا مسجدا: ملامح صدام حضاري

د. سعيد العلام
هل يستحق قرار تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كل هذا اللغط؟ قد يكون الأمر أبسط من ذلك حينما نتناوله في سياقه القانوني والسياسي، لكنه أكثر تعقيدا حينما يمتزج بصيرورة التاريخ ودلالته الرمزية. إن توقيت القرار وكيفيته هي من يقودنا إلى توصيفه بمظهر الصدام الحضاري، فما الذي يثير حفيظة أوروبا وخاصة فرنسا التي استنكرت رسميا عن طريق وزارة الخارجية الفرنسية  وقالت في تصريحٍ لها يوم 3 يوليو/ تموز الجاري أنّ "متحف آيا صوفيا بني أصلاً كاتدرائية مسيحية"، ونسيت فرنسا مئات المساجد التي حولتها محاكم التفتيش المسيحية إلى كنائس.
من الذي يدفع فرنسا إلى انتقاد قرار سيادي يتعلق بحكم محكمة عليا في دولة مستقلة وحرة في تدبير شأنها الداخلي دينيا كان أم سياسيا؟ لقد ألزمتنا فرنسا الحجة بتدخلها في الشأن التركي. فتاريخها الفكري المجيد الذي رسم ملامح الأنوار والحداثة الغربية، يحيلنا إلى "جان بودان" صاحب فكرة السيادة، التي لم تحترمها فرنسا وهي تحشر أنفها في شأن داخلي لدولة ذات سيادة لها مؤسساتها؛ و التراث المجيد "لمونتسكيو" صاحب فكرة فصل السلطات، التي تجعل القرار شرعيا ما دام قد صدر عن هيئة قضائية عليا مستقلة (مجلس الدولة التركي)، قرار قضائي له حجية الشيء المقضي به كما علمنا (مجلس الدولة الفرنسي) وفقهاء فرنسا الأفذاذ. إن تراث فرنسا الفكري الأنواري حجة ضد تصرفاتها الاستعمارية ظلت مثالا للازدواجية والتضليل التاريخي. لقد كانت دائما تستعمل ورقة إبادة الأرمن ضد تركيا في تطلعاتها إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ناسية مئات الإبادات الجماعية في حق مستعمراتها، وبالأمس تسلم جماجم ضحاياها من الشهداء الجزائريين دون خجل. وحججنا التاريخية عن فرنسا كثيرة، سنُدكِّر البشرية بواحدة منها لها علاقة بتحويل مسجد "كتشاوة" في الجزائر إلى كنيسة من طرف الدوق "دو روفيغو"، تحت إمرة قائد الحملة الفرنسية "دي بولينياك" الذي عمد إلى قتل 4 آلاف مسلم اعتصموا في المسجد؛ اعتراضاً على قرار تحويله إلى كنيسة، ثم حوّل الجامع إلى إسطبل للخيول بعدما قال جملته الشهيرة "يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه معبداً لإله المسيحيين"، تم هدم المسجد وبُنيت فوقه كاتدرائية "سانت فيليب" 1832.
إن رمزية آيا صوفيا حضاريا هو ما يهمنا بشكل استراتيجي، فتوقيت التحويل هو رسالة مبطنة للغرب بعودة الإمبراطورية العثمانية وامتدادها الحيوي في البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، وهو ما ينافس من الناحية الاستراتيجية النفوذ الفرنسي في المنطقة، ويخرج الأمريكان عن صمتهم بخصوص هذا الامتداد الحيوي، من خلال تدوينة "جون بايدن" كمرشح قادم للرئاسة، والتي تعبر عن قلق روحي وثقافي (مسيحي) من عودة إحياء نفوذ إسلامي في منطقة من أكثر المناطق احتمالا لنشوب حرب حضارية في المستقبل. وربما تتحقق نبوءة هيجل (العالم الشرقي) حول عودة  الإسلام إلى التنافس الحضاري وخروجه من عزلته: "لقد غاب الإسلام منذ فترة طويلة عن مسرح التاريخ، وقد انسحب لعزلة من الراحة والسكينة".  
إن آيا صوفيا ليست مجرد متحف أو مسجد أو كاتدرائية، إنه تعبير رمزي حقيقي عن هوية حرب المستقبل، التي يتبوأ الدين مكانة قصوى في تحديد معالمها، حيث عبر عنها "هنتنجتن" غير ما مرة: "ان الدين هو السمة الأساسية للحضارات" وأن الإسلام أحد خطوط الصدام مع الحضارة الغربية (المسيحية-اليهودية) بإلهام من شيخه "برنار لويس"؛ وهذا ما أكده "فوكوياما" في أحدث كتاباته (الإسلام والحداثة): "ما لدينا اليوم هي حالة حقق فيها الدين عودة كبيرة، فالعولمة لا تزال تشكل دافعا قويا، لكنها معرضة للتهديد، التوزيع غير العادل للقوة في العالم". يبدو أن ملامح النظام العالمي الجديد تشي  بإعادة توزيع القوة في العالم بعد تمركزها في الغرب،  والدفع بالنزعة الصدامية المتمثلة في أدلجة التراث الديني وجعله في واجهة الصراع الحضاري كخير تعبير عن حتمية الصدام. لقد عبر  "داريوش شايغان" في كتابه (ما الثورة الدينية؟) عن هذه النزعة الصدامية بشكل من الانحياز و التجني الحضاري: "إن الإسلام يستخدم الثروة الإيمانية الموجودة في الذاكرة الجماعية، من أجل مغامرات تدميرية"، وهذا ما دفع "إدوارد سعيد" للتعبير عن انزعاجه من تخطيط الغرب لجعل الإسلام يلعب الدور المخصص له من طرف الغرب، في مسار بحثهم عن أعداء، وتقديمهم كل الحجج الأخلاقية لتبرير الصدام مع العالم الاسلامي.
إن تحويل آيا صوفيا إلى مسجد يشبه إلى حد كبير حادث المروحة الذي أدى إلى استعمار الجزائر وفتح شهية فرنسا إلى التوسع الإمبريالي، وقد يكون سببا في إنهاء وجودها ونفوذها في شمال أفريقيا.