


عدد المقالات 272
سعت كل الأنظمة العربية المستبدة إلى تأسيس مشروعية جديدة مع غياب الخلافة العثمانية وبروز الدولة الوطنية، فكانت الشرعية النظرية بعيدة كل البعد عن مشروعية إسلامية برابطة إسلامية موحدة، وإنما شرعية أقرب ما تكون إلى الاستبداد العربي، وبعضها الطائفي، إن كان بخلفية طائفية مذهبية أو بخلفية طائفية شللية عسكرية مستبدة، وهو ما ضمن لها حاضنة معينة ومساعدة لها على المضي قدماً في استبدادها وجبروتها، ترمي بالفتات إلى هذه الشللية المنتفعة إن كانت رجال أعمال أو نخباً مثقفة أفسدت الحياة العامة، فكانت خير معين لهذا الاستبداد على البقاء في السلطة في مواجهة الشعوب، التي دفعت أثماناً باهظة على الصعد والمستويات كافة. وقد أفلحت الأنظمة المستبدة في هذا لفترة ليست بقصيرة. كان الاستبداد وحاضنته التي أعانته تسعى إلى طرد الخيّرين من البلاد، فمن لم يتم قتله وإبادته كما حصل في مصر الخمسينيات وكذلك في العراق، ثم في سوريا السبعينيات، ومن بعدها في بلاد عربية عدة، كان الخيار هو السماح له بطريقة أو بأخرى بالهجرة وترك البلاد للاستبداد وحاضنته، فطرد الاستبداد الذي جاء على شكل تأميم وإصلاح زراعي ناصري خيرة سوريا في الخمسينيات، ثم طرد خيرة سوريا بعد أن اعتقل خيرتها أيضاً في انتفاضة الثمانينيات، وهو ما تكرر في الثورات الحالية. أمسكت الأنظمة المستبدة بكل مفاصل التغيير في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في دولها، ومن ثم لم تسمح لأحد أن يأتي بأي حركة دون أخذ الموافقة الأمنية، وهو ما يعني أن الحكم هو حكم أمني استخباراتي بامتياز. كل هذا الانسداد دفع الشعوب العربية إلى الانفجار، وهو الانفجار الكبير الذي لم يقوَ أحد لا من الداخل ولا بدعم الخارج على السيطرة عليه حتى الآن. لكن بالمقابل، استفاقت الشعوب العربية في ثوراتها على واقع يفتقر إلى أبسط قنوات التنظيم والإدارة والتنسيق الشعبي، فكان الأمر بحاجة إلى وقت ليس بسيطاً من أجل أن تثق الشعوب ببعضها، وأن تثق النخب ببعضها، فكان على الجيل الحالي أن يقوم بما تقاعس أو فشل أو عجز -لا فرق- عن عمله أجيال، وهو أمر ليس من السهولة فعله وعمله؛ كونه تغييراً اجتماعياً لا يمكن أن يحصل بكبسة زر، في ظل نجاح الاستبداد في زرع الشكوك وعوامل اللاثقة والخوف والقلق من الآخر، فكانت الشكوك والقلق والخوف من الآخر ليس على مستوى الشعوب والأهالي؛ وإنما على مستوى النخب التي نقلت صراعاتها الأيديولوجية والفكرية لتصفيتها على حساب الثورة والشعوب الحرة. فصراعات عمرها عشرات السنين وربما مئات السنين ظن بعض السذّج أنها يمكن أن تُصفّى بأيام وسنوات. لقد نجح الاستبداد في فترته الطويلة في تصحير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وحين انشقت بعض النخب عن هذا الاستبداد، كانت بحسن نية أو بسوئها تكرر ما يقوله ويفعله من عاشه في كنفه، فعلاقاتها هي علاقات الاستبداد نفسها ولغتها وطريقة تعاطيها كذلك، ومن ثم سريعاً ما استطاع الاستبداد الخارجي كسبها لصفه؛ كونها لا تزال تعمل ضمن المنظومتين الدولية والإقليمية، فكان ذلك كله على حساب الشباب العربي الذي انتفض مطالباً بسقوف عالية من الحرية، ليجد الأخير نفسه أمام رموز جديدة كانت بالأمس في صف الاستبداد بشقيه العربي والخارجي، وهو أكثر ما يعنيه ضمان مصالحه ومنع الشعوب من نيل حريتها؛ كون مثل هذه الحرية ستهدده وستهدد مصالحه على المدى كله القريب والمتوسط والبعيد. مثل هذا الواقع الأليم زاد الشُّقّة والفجوة بين جيل الشباب الذي يمثّل غالبية المشاركين في الثورة؛ كونه يمثّل اليوم ثلاثة أرباع الشعوب العربية، وبينهم من تصدّر مشهد قيادته، وهو الأمر الذي قد يهدد بربيع عربي آخر أكثر عنفاً وأكثر تسونامياً من الأول؛ فالتحايل على الثورات العربية وعلى الربيع العربي، ومحاولة تقديم رموز جديدة لكن بعيدة عن الشباب وهمومه ومصالحه وأشواقه؛ إنما بمنزلة وضع خمر قديم في زجاجات جديدة كما يقول المثل الإنجليري. وفي الحلقة المقبلة، سنتحدث بإذن الله عن مسؤولية الربيع العربي ونخبه تجاه هذا التفتت والتشرذم.
كشفت الوثائق الأميركية الأخيرة عن عودة روسية قوية إلى أفغانستان للانتقام من القصف الأميركي الذي قضى على المئات من قوات الفاغنر الروسية في دير الزور بسوريا بشهر فبراير من عام 2018، ابتلعت موسكو يومها الإهانة...
قطاعا التعليم والصحة في الشمال المحرر من القطاعات المهمة التي تستأثر باهتمام الشمال وأهله، لا سيما في ظل الحاجة إليهما، يضاعفهما الحالة الاقتصادية الضعيفة لدى ساكني المنطقة، لقد ظل القطاعان مدعومين من المؤسسات الدولية، لكن...
أوجه معاناة الشمال السوري المحرر لا تنتهي، فبعد أن كان الخوف والقلق من العدوان العسكري يسيطر على تفكير الأهالي، صار اليوم القلق أكثر ما يكون بشأن معاناة الحياة اليومية الممتدة من المعيشة إلى العودة للبيوت...
لم تكن لتتخيل عائشة وفاطمة وأحمد للحظة أن يحلّ بهم ما حلّ في أول عيد يمضونه خارج البيت الذي ضمهم لسنوات، فجأة وجدوا أنفسهم في خيام رثّة على الطريق الرئيسي الواصل بين اللاذقية وحلب، ليرقبوا...
ما جرى أخيراً في ليبيا من انهيار وهزيمة لم يكن لقوات الانقلابيين والثورة المضادة بزعامة خليفة حفتر، ولا للمشغل الروسي والإماراتي، بقدر ما هو انهيار للأسلحة الروسية، وعلى رأسها منظومة سلاح «بانتسير» المفترض أن تكون...
الخلاف الذي برز للسطح أخيراً بين رامي مخلوف وبشار الأسد ليس من طبيعة نظام السلالة الأسدية، التي عرفت بالغموض والتستر على بعضهم بعضاً، ولعل ما حصل في عام 1984 بين حافظ الأسد ورفعت دليل يمكن...
منذ بوادر الثورة اللبنانية قبل أكثر من عام تقريباً، وحتى الآن، والسوريون ينظرون إلى ما يجري في لبنان، على أنه انعكاس وربما امتداد لما جرى ويجري في سوريا، نتيجة العلاقات المتشابكة بين البلدين، فضلاً عن...
تتحكم القوى المتنافسة أو المتصارعة بشكل مباشر على سوريا، وهي تركيا وروسيا وإيران بدوائر معينة، ولكن باعتقادي أن الدائرة السورية الأكبر تتحكم بها الولايات المتحدة الأميركية، وقد تدخل إسرائيل على الخط أحياناً مساعداً أو مكملاً...
يظل التاريخ هو الحكم بين البشرية، ليس في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة فحسب، وإنما حتى في المجال الطبي حديث الساعة اليوم، والذي استُدعي على عجل خلال هذه الأزمة، فبدأ العلماء ينبشون دفاتره القديمة، يستذكرون تاريخ...
أفغانستان أمام خيارين، تماماً كما كانت قبل سقوط كابل بأيدي المجاهدين في أبريل 1992، إما حل سياسي تفاوضي يؤدي إلى تسوية، أو حرب تعيد مآسي الحرب الأهلية التي خاضها الإخوة الأعداء في تلك السنوات العجاف،...
الحالة الصحية الموجودة في مناطق نظام الأسد سيئة، سواء كان من حيث الخدمات أم من حيث هروب الأدمغة الطبية المعروفة التي كانت في سوريا قبل الثورة، وقبل هذا كله التخبّط في القيادة والتحكّم على الأرض،...
لا سرّ وراء بقاء سلالة «آل الأسد» على مدى نصف قرن في السلطة، كسرّ ولغز احتكارها وتغييبها المعلومة، فلا شيء أخطر على ماضي وحاضر ومستقبل الأنظمة الشمولية الديكتاتورية من المعلومة الحقيقية والواقعية. ومن هنا نستطيع...