


عدد المقالات 283
يولد الإعلام حرا وليس العصا معه، والمجتمع يستعبده، يدجنه أو يتظاهر باحترامه في أفضل الحالات، فليس فقط الحاكم من يأتي هذه الأفعال الشائنة، لأن الوزير كما الخفير وليدا بيئتهما، وكثيرا ما نجدهما أبناء بررة لمجتمعهما المفتقر لحس المدنية ولروح الموضوعية قبل افتقاره للنضج الحضاري ومنه السياسي، وهو ما حدث سابقا ويحدث الآن وقد يقدح لاحقا حالات الاحتقان بين فئات المجتمع إذا لم تسارع الأطراف المتقابلة إلى فهم أعقل وأعمق لهذه الثنائيات المحيرة، ومن بينها ثنائية الصحافة والسياسة. وفي هذه الأيام يحمى وطيس معركة الإعلام والسلطة في دول «الربيع العربي»، لكن ذات المعركة لم تخفت أبداً في سواها من البلاد العربية منذ اكتشفت العرب أنظمة الحكم الحديثة ومعها الصحافة المطبلة حينا والمتوعدة حينا آخر، الواقفة في صف الحاكم تارة والصارخة في وجهه تارة أخرى، بحسب موقع الإرسال والاستقبال وتبدلات تردداته، وبحسب منسوب التسلط السياسي والمالي وتقلبات الخضوع أو التمرد عليهما، لكن قلما كان الأمر موقفا ثابتا لا يتغير، وقلما تم الحفاظ على مسافة الأمان لكي لا ترتطم الأقلام بصخرة المدح أو الهجاء مفتقدة الطريق الثالث! وحتى في تركيا التي ينظر إليها الناس على أنها قاطرة التغيير الديمقراطي في الشرق، مثلا يقبع اليوم في السجن أكثر من 90 إعلاميا بشتى التهم، ويرى كثيرون في ذلك رسالة سيئة للشرق الحائر بطبعه، وفي مصر حيث عراقة الإعلام لا تنافس، تحدث جلبة وتعلو أصوات متنافرة تضاعفت حدتها في عهد ما بعد الثورة، أما في تونس فقد بلغ ليّ الأذرع أوجه بين السلطة الجديدة وبين الإعلاميين إلى درجة المواجهة المكشوفة والمفتوحة، وهي جميعا في تقديري عملات ذات وجه واحد، مؤداها مجتمعات تتفاعل وتتجاذب محاولة التخفف من إرث كافور الإخشيدي وأبي الطيب المتنبي! لا شك بداية أن فوضى المشاعر واضطراب العواطف أمر قريب من الحالة الطبيعية فيما نشهده من تغييرات اختلفت درجات العنف والارتطام بالواقع الجديد فيها، كما لا شك أن كلا الفريقين (رجال السلطة ورجال الإعلام) ما زالا يتلمسان الطريق للخروج من حالة فقدان الوزن، وهو ما يبرر تصادما، الغرض منه في الأخير تحصين ما اعتقد الطرفان أنه مساحات ربحاها على الأرض. فقد عانى رجال السلطة الجدد في تونس (مثلا) من ويلات قديمة اعتقدوا معها لوهلة أنها كافية لمجازاتهم براحة البال، لذلك بدوا مستغربين بل مستائين من الصداع الذي يتسبب لهم فيه الإعلاميون، وعلى الضفة المقابلة عانى الإعلاميون من التضييق والخنق بأيدي الأنظمة الهاوية إلى درجة جعلتهم يتخيلون لوهلة أن طوق السلطة قد انفك عنهم نهائيا وإلى الأبد، وأن شركاءهم في الاحتفال بـ «شهر العسل السياسي» لن يحاولوا إطعامهم بصل الأمس الإعلامي، فكان تبادلا ساذجا لحسن نية لم تلبث شمس النهار أن أذابته، فحل سريعا سوء النية ليملأ فراغ المساحة الممتدة بين الطرفين. هكذا يبدو المشهد أقرب إلى بندول ساعة يتأرجح بعنف نحو اليمين ونحو الشمال، ولن يهدأ إلا باستيعاب المجتمع بدقة لحقائق التلازم والتنافر بين السياسة والإعلام، وبحفظ كل لحق الآخر دون استزادة أو استنقاص، فلو أوجد كل من كافور الإخشيدي أو سيف الدولة وأبي الطيب المتنبي مسافة الأمان تلك بين الحاكم والمحكوم لما استأنسنا بإرث أشهر ضحيتين للمدح وللقدح في تراثنا، ولما استرحنا الآن لفعل الحدية ولصفة الضحية في الحالتين! بيت القصيد أن لا مناص من احترام قوانين الطبيعة، والسماح فورا للدماء الجديدة الشابة بأن تتدفق في جسم الإعلام، كما في جسم السياسة، فقد حلمنا جميعا و «هرمنا» من أجل هذا اليوم، وما زال في النفس أمل بأن تجدد المجتمعات العربية فرص الفوز بتوازنها المفقود لتجدد خلاياها الملوثة بفعل الأزمان الرديئة، ولتفرض شروط العلاقة الحضارية الناضجة بين السياسة والصحافة، فيصبح للدولة سيف لا يخشاه كافور، ولا يهدي «سيف الدولة» مبردا يدر دما على لسان القط الجائع للحس الدم ولو كان دمه، أي دم المتنبي ومن يتبعهم من الغاوين!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...