


عدد المقالات 283
مفارقة عجيبة تعيشها البلاد التونسية منذ بضع سنوات، وتتلخص في السير بسرعتين متفاوتتين تفاوت سرعة الضوء مع سرعة السلحفاة.. حيث والبلاد على تلك الحال التي يعرفها القاصي والداني، ما زال بمقدورها ابتداع القوانين والتشريعات التي تحلم بها الشعوب الاسكندنافية! تطالب بها النخب «بكل حزم»، ويجد النواب والساسة في البلاد الوقت الكافي لمناقشتها «بكل جدية»! من ذلك على سبيل المثال، لا الحصر، قانون حق النفاذ إلى المعلومة الذي يجرّم حجب المعلومة عن طالبها أياً كان-، وقانون حماية المعطيات الشخصية الذي يعطل وزارة الداخلية عن إصدار بطاقة هوية للمواطنين، كما تراها مناسبة للأمن العام، وقانون مجلة الجماعات المحلية الذي يسمح لأي مجلس بلدي في أي قرية نائية بأن ينفصل عن الدولة، وأن يسنّ قوانينه الخاصة به، بما في ذلك منع الدخول والخروج منها تحت أية علة أمنية أو صحية أو سواها، وقانون المجلس الأعلى للقضاء الذي يساوي بين ذهاب وزير العدل إلى مكتبه أو النوم في بيته، وقانون مقاومة التعذيب الذي يقلم مخالب الشرطي أمام أعتى المجرمين، ليصبح كالقط الخائف من الفأر، وقانون المحكمة الدستورية العليا الذي يصغر أمامه كل كبير في الدولة.. وترسانة لا تحصى ولا تعد من القوانين ومن مشاريع القوانين التي ستحوّل تونس إلى المدينة الفاضلة، التي حلم بها التاريخ الإنساني ولم ينجز ربعها إلى اليوم، لأن الشيطان يقف ضدها ويصدها! في بلاد الملائكة تلك، نجد أيضاً أن مخزونها من العملة الصعبة التي يفترض أن تغطي وارداتها قد انحدر إلى مستوى غير مسبوق بـ 78 يوماً فقط.. وفيها عجز تجاري بلغ 924.07 مليون دولار -بحسب آخر الأرقام الرسمية- ونسبة بطالة تطاول السماء بـ 15.5%.. وعدد إضرابات عن العمل بثلثي السنة (247 إضراباً، موزعين على 205 إضرابات بالقطاع الخاص، و42 إضراباً بالقطاع العام في سنة 2017)، حسب معطيات وكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية.. وعملة محلية تكافح من أجل بقاء الماسك بها على قيد الحياة، كالقابض على الجمر، ونسبة تضخم وصلت إلى 7.7% حسب نشرات البنك المركزي، بالإضافة إلى حرائق يومية بالمعنى الناري وبالمعنى السياسي والاجتماعي والأمني، تندلع ألسنة لهبها من كل مكان وفي كل وقت! في بلاد الملائكة تونس، تكلفك شركة أثاث مرموقة، عيون رأسك ثمناً لمنتجها متوسط الجودة، وثمناً لأدوية الصداع والصبر من أجل خدمة غير مكتملة، وتعامل بلا عهد ولا ميثاق.. فتكره حياتك متى دخلت مع الحرفيين في أول عملية، من تركيب صنبور في المطبخ للحصول على مقعد محترم في الطائرة، مروراً بحفر الطريق، وآفاته السبع.. في بلاد الملائكة التي تجدّ وتكدّ حكومتها لاستجلاب الاستثمار الخارجي! شيآن فقط يستحقان التمجيد في بلاد الملائكة.. أولهما إسهال التعبير، حتى إنه يمكن لأي كان تحبير صفحات قاتمة بمساوئ الفاعلين فيها، خاصة وعامة، بدون أن تتحرك فيهم شعرة، وصبر يقف النبي أيوب عاجزاً أمامه عن الصبر.. صبر الحاكم على المحكوم، وصبر المحكوم على الحاكم، ما دام حاكماً! في المحصلة، لا يمكن إلا التصديق بالبصمات العشرين، على أن تونس بلد سياحي جميل، بما حباه الله من نعم طبيعية لا تحصى، لكن جنياً ركب أهله، فقرروا -إلا من رحم ربك- إفساد هبة الإله، كما أفسد بيزنطة بذانيك السرعتين المتفاوتتين القاتلتين.. حيث لم يدر بخلد مؤرخ يوماً ما أن يكتب شهادة للتاريخ بأن جحافل جيش العثمانيين بقيادة السلطان محمد مراد قد دخلت القسطنطينية، وأحاطت بها من كل جانب، وحاصرتها ثلاثة أسابيع متوالية، فيما كان أعضاء مجلس شيوخ بيزنطة يتجادلون في هوية الملائكة وجنسها.. هل هي إناث أم ذكور؟ وفي ماهية المسيح وحقيقة الأقانيم الثلاثة.. لم يكن هؤلاء يعيشون في الواقع، كانوا خارج الزمان، وخارج المكان، وفيما دخل الجنود طرقات القسطنطينية وجابوا شوارعها، لم يتوقف الجدل البيزنطي حتى قُتل ملك القسطنطينية، وانهارت عاصمة الكنيسة، ومُحي اسمها من الجغرافيا، لتتحول إلى «إسلامبول»، ويلقّب السلطان محمد بـ «الفاتح».. وكل تشابه بين وقائع التاريخ هو من محض خيال الكاتب!
كنت أقول في هذا الموقع قبل بضعة شهور إن الخمسينيين وحتى الأربعينيين يغبطون الرئيس التونسي التسعيني على حيويته الفكرية والجسدية -نسبياً- وهو يتحدى عامه الثالث والتسعين، لكنني لا أعلم على وجه الدقة إن كانوا يغبطونه...
بعد الخميس جاء يوم الجمعة، وبعد 17 يناير أطلّ يوم 18 يناير، ولم تتوقف الأرض عن الدوران في تونس، بسبب الإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، بل استمرت الحياة عادية، رغم نجاح الإضراب الذي قاده...
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء...
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب...
رغم أنها دانت لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أو كادت، لا يزال المشهد موارباً في تونس، ويستعصي على فهم أكثر المراقبين التصاقاً بتفاصيله. كان منتظراً من يوسف الشاهد في إطلالته مساء الجمعة، بعد طول صمت، أن...
في لمح البصر، عادت حركة «النهضة» التونسية للمربع الأول، وهي التي كابدت من أجل تحسين صورتها على مدى السنوات الثماني الماضية. فقد كان يكفي أن يظهر رئيسها وزعيمها التاريخي منذ أربعين سنة، راشد الغنوشي، ظهوراً...
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في...
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط...
تهتز الساحة السياسية التونسية بشدة على مشارف سنة انتخابية ساخنة ومحددة لمن سيمسك بصولجان السلطة لعدة سنوات قادمة.. من ذلك انصهار الحزب «الحاكم» نظرياً (نداء تونس) مع الحزب الرابع في نتائج انتخابات 2014 (الاتحاد الوطني...
كان التونسيون في غاية الحاجة إلى كلمات الرئيس الفرنسي في قمة الفرنكوفونية بأرمينيا، وهو يعلي في نبرة صوته بـ «أن تونس فخر لنا»، قبل أن يكيل مزيداً من المديح لرئيسها «الشجاع» الباجي قايد السبسي، وإلى...
خلال ساعات من الآن، سنرى إن كانت السكاكين المشحوذة على مدار الأيام الماضية قد ارتدّت عن رقبة يوسف، أم أن إخوته سيجهزون عليه ليعودوا إلى أبيهم جذلين. في تونس، بلغ التشويق أشده بشأن رئيس الحكومة...
من المفترض أن يتحدد خلال الأسبوع المقبل مصير يوسف الشاهد، وهل سيواصل مهامه كرئيس للحكومة التونسية حتى 2019 موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي، أم أنه سيكون كفاية عليه بقاؤه في منصبه ذاك سنة و9 أشهر،...