


عدد المقالات 103
ليس غريباً أن يعيش الإنسان بين جدران أربعة تحميه وتحفظه، لكن الغريب أن يكون الخطر ساكناً داخل الجدران الأربعة ويصبح المنزل هو مصدر الإيذاء. انقلبت القرية رأساً على عقب بعد انتشار خبر هروب إحدى الفتيات من منزلها فجراً. استيقظت الأم لتجد رسالة من ابنتها تقول «ذهبتُ بلا عودة». الفتاة الجامعية الهاربة لم تكن سيئة السلوك ولم يذكرها معارفها إلا بكل الخير. اعترفت الأم التي فُجعت في غياب ابنتها أن الابنة لم تحظ بعطف أبيها قط ولم تتلق من أمها سوى وجه جامد ولغة حادة. في الرسالة التي وجهتها عبر الصحف قالت لها «سامحيني على قسوتي. لقد اعتقدت أنني أحفظك. واكتشفت أنني كنت أفقدك تدريجياً». حادثة هروب الفتاة التي تتكرر من حين لآخر ليست إلا إنذاراً عالي الصوت واعتراضاً صارخاً على أسلوبنا الخاطئ في تنشئة الأبناء وخاصة البنات. فهناك اعتقاد سائد لدى بعض الأسر بأن القسوة تحمي الفتيات. والحقيقة أن القسوة تهين الكرامة وتغلظ القلب أو تجعله هشاً ساذجاً. ولم تشر أي من الدراسات أو الأديان إلى أن القسوة يمكن أن تصنع إنساناً متوازناً وسليماً نفسياً وعقلياً. ويكشف عدد من الدراسات أن الفتيات تتعرضن داخل منازلهن لعنف يتنوع ما بين عنف بدني وعنف نفسي وفي بعض الأحيان تتعرضن أيضاً إلى تحرش جنسي. وقد أشارت دراسة مصرية أنجزت عام 2009 إلى أن نصف الفتيات تعرض إلى الضرب إما على يد الأب أو الأخ وبدرجة أقل على يد الأم أيضاً، لكن ثلاثة أرباع الفتيات المشاركات بالدراسة تعرضن لشكل واحد أو أكثر من أشكال العنف النفسي. ويتضمن العنف النفسي الصراخ في وجه الأطفال أو توجيه ألفاظ قاسية لهم أو استخدام التهديد أو منعهم من الخروج أو إهانتهم أمام الغرباء أو حرمانهم من المال، لكني سمعت من مدرسة نابهة أن المقارنة بين الأبناء هي عنف بالغ القسوة. فقد رأت أن كثيراً من الأسر تعمد مقارنة أبنائها بعضهم البعض أو مقارنتهم بأقران لهم أو أقارب. متجاهلين أن كل طفل أو طفلة هو حالة فردية متميزة لا يجوز مقارنتها بالآخرين حتى ولو بشكل إيجابي. فالشخص الوحيد الذي يمكن أن يقارن به الطفل هو الطفل ذاته. وأضافت: أسمع يومياً من أمهات وآباء تعليقات قاسية. كتلك التي سمعتها الأسبوع الماضي لدى توزيع شهادات نهاية الفصل الدراسي الأول حين تسلمت إحدى الأمهات شهادة ابنتها فإذا بها توبخها، قائلة «أخوك سبقك بثلاث درجات». كانت الطفلة تعاني ضعفاً في اللغة الفرنسية واستطاعت المدرسة حث الطفلة على قراءة بعض القصص بالفرنسية بل جعلتها تشارك في مسرحية قصيرة. كانت الصغيرة تتراقص فرحاً حين طلبت المدرسة من كل الطالبات تحية تلميذتها على إنجازها المتميز. لكن الأم التي لم تعلق إلا ببضع كلمات أهدرت جهد خمسة أشهر بتعليق مؤذٍ خسرت بسببه ثقة الفتاة في قدرتها على إتقان اللغة. والأهم أنها ألقت بذرة الغيرة والفرقة بين الطفلة وأخيها. إن الآثار النفسية للعنف عميقة غائرة. كأنما حفرت على صخر، يصعب إزالتها أو نسيانها؛ لتظل القسوة يقظة في ذهن الأبناء تدفع بهم إما إلى الأمراض النفسية أو السلوكية أو كلاهما معاً. ويعترف مسؤولو دور الأحداث ومراكز تأهيل الأطفال الجانحين بأن القسوة في التنشئة هي السبب الأول لارتكاب الأطفال جرائم، لكن ارتكاب الجرائم هو الحد الأقصى والأوضح. ويبقى أن أغلب الأطفال يبتلع القسوة والعنف وتبقى في منطقة الوسط. لا تصل لحد ارتكاب جرائم لكنها تتكسر نفسياً. وتفقد ثقتها بنفسها وبالأسرة التي يفترض أن تحميها وتبدأ في نسج علاقة رمادية مع الحياة. ولن تقدم الحياة كثيراً لمن يراها رمادية. فالثقة في المستقبل والارتكان إلى الأمل هما أساس جوهري للنجاح في الحياة. على أن الأثر الأشد خطورة الذي يُخَلفَه العنف مع الأبناء، هو زرع الخوف. فالخوف هو العدو الأول للإنسان وهو الخلية الأولى لكافة الأمراض النفسية والاجتماعية. فالخوف يُفقد الطفل القدرة على التفكير السليم وعلى اتخاذ القرار الصائب. فالخائف لا يرى الحياة إلا من خلال عينيه المذعورة وعقله ومشاعره المرتبكة. وإذا كان هناك من عقاب ما أقسى من الموت. فإنه الخوف؛ لذلك تجتهد زبانية التعذيب في سجون الدول الديكتاتورية في زرع الخوف في قلوب المسجونين، فالخائف شخص يسهل قيادته ويسهل توجيهه والتحكم به. فهل هناك أب أو أم يرغب في تنشئة طفل مريض بالخوف؟ إن الأسرة مهما بلغت من الفقر أو الثراء، من العلم أو الأمية لا ترغب إلا في إسعاد أبنائها وفي توفير بيئة أفضل وتهيئة مستقبل أوفر حظاً، لكن المشكلات دوماً تبدأ من «كيف». فالطريق الذي نسلكه لبلوغ مرحلة الأمان بأبنائنا هو الذي سيحدد إن كنا سنصل بهم إلى شط آمن أم سنتركهم وسط رياح عاتية. فإذا ما اعتمدت الأسرة العنف والخوف والقسوة في تنشئة الأبناء. فالمستقبل لن يأتي لهم مبتسماً. وإن استندت الأسرة إلى الحب عماداً في تنشئة أبنائها. فالمحصلة ستكون طفلاً له قلب آمن وعقل آمن وقلب فرح قادر على خوض المستقبل بثقة وقوة. فلكي لا يهرب الأبناء أو يهرب منهم الاستقرار والأمان علينا أن نختار الطريق الأسهل. علينا فقط أن نفتح أذرعنا لهم وأن نغمرهم بالحنان والحب.
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...
سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...
«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...
المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...
كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...
في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...
الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...
أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...