alsharq

جيهان أبوزيد

عدد المقالات 103

أنا بافتح لكم قلبي

08 نوفمبر 2011 , 12:00ص

« أنا بأفتح لكم قلبي وأنا بأكدح إلى ربى في عيني الشوق وفي ودانى يا أهل الله يا أوطاني ما ليش غيركم وطن تاني ولا صاحب ولا مطرح» لم أكن قد سمعت القصيدة من قبل. ولم أسأل قلبي أبداً عن وطني. كان قارئ القصيدة في رقة ناظمها. كان أن فتح قلبه بالفعل قبل أن يقرأ الأبيات. فانفتح. بينما أَستمع إلى قصيدة الشاعر المصري اللبناني «فؤاد حداد» أغمضت عيني. فإذا بوجه رجل فارع أنيق مبتسم ينظر لي مشاكسا: «حيوا أهل الشام يا أهل الله» صرخت فرحا غير مصدقة أني في حضرة عبقري الشعر العامي «حداد». سألته باندفاع: أي وطن يا حداد؟ أتقصد الشام؟ وأنت مصري الميلاد والهوى. لبناني الأب. سوري الأم. صمت قليلا ثم قال: يمكنني الآن أن أقول. بعدما اختبرت الحياة وأيضاً الموت: إن الوطن مكانه القلب. قلبي كان وطني. وفي قلبي كانت مصر. فكان وطني هو مصر. وقبل أن أستيقظ من المفاجأة. أربكني مضيفا. حين كنت على قيد الحياة حمل قلبي فلسطين. كما حمل سوريا. وغرقت في هوى لبنان. تركني وانحنى يُقَبل دُول المنطقة دولة دولة. يبكي على الحدود والفواصل. وعلى نقاط التفتيش. احتضن بيمناه جبال المملكة السعودية واليمن. بينما يده اليسرى ضمت بحنان المغرب وموريتانيا. تعجبتُ أن اقتربت الدول من بعضها البعض. وكأنما حضن «حداد» الواسع قد أفاض عليها. عندما فتحت عيني وسافر عني طيف الشاعر عاشق الأوطان سمعت الصوت ما زال صادحا: «وأنا بأفتح مشيت صحرا بلا واحة تدلوني على الراحة أقول إن الشقا أملح» حين رأيت الدموع تجري على وجوه الرجال والنساء في ميدان التحرير. رأيت مكان الوطن. فقد ظللت أحمل السؤال حائرة طوال سنوات تعليمي. أين يقع هذا الوطن. أهو في قلبي أم عقلي. أم أنه كامن على الخريطة يعبر عن نفسه بالحدود الواضحة؟. عندما غضبت من الوطن لأنه خذلني وسرق العديد من حقوقي. اعتقدت أني لن أجده لا في قلبي ولا في أي مكان. وبالطبع لم أشأ النظر إلى الخريطة. تغيرت حدود الوطن وتمددت حينما شاهدت القنابل تسقط على رأس العراق والضحايا الغرقى في آلامهم يزدادون كل دقيقة. بكيت حينها كما بكيت شهداء التحرير. كما بكيت لشهداء لبنان عام 2006 في غارة الثلاثة وثلاثين يوما الغاشمة التي راح ضحيتها أكثر من ألف شهيد. لم يعد وطني منتهيا عند حدود سيناء وعلى رأس السلوم. اتسع وطني غربا حينما حرق «محمد البوعزيزي» نفسه وتبعه النظام التونسي من بعده. أعادتنا الثورات والأزمات إلى الخرائط لنبحث عن حجم الوطن. وربما عن معنى الوطن. في كل مرة تتجرأ طائرة على ضرب غزة. أنتفض. تعجبت إن قالوا لنا إن الوطن هو ما نسكن فيه. بينما كلما مرت السنون أكتشف أن من احتفل معهم بقدوم العيد هم أهل وطني. ومن يدركون لغتي هم أهل وطني. مع مر السنين كبر الوطن. وازداد اتساعا. أوسعته اللغة والتاريخ والجغرافيا والحروب والآلام. فكان الوطن لبنان والعراق وتونس وليبيا. ومصر وسوريا واليمن. وفلسطين والجزائر والسودان. حين حاول أحد الباحثين أن يفهم. قال إننا نحتاج إلى أن نحب المكان لكي يصبح هو الوطن. نحتاج إلى ذراعيه الحنون. نحتاج إلى حمايته. وإلى دفئه. لكي نعطيه لقب «الوطن». ثم ناقضه آخرون وقالوا. أو لن يكون وطن إذا ما قسا علينا؟ فتح هذا السؤال الباب على مصراعيه أمام مروجي مصطلحات الانتماء. وكان أن اعترف الكثيرون أن الانتماء كالزئبق. وحده الفن كان القادر على اختراع الإجابات. بدون أن يذكر كلمة انتماء. جذبنا المخرج الراحل «يوسف شاهين» معه لساعتين مصورا «محمود المليجي» وهو يغرس أصابعه في الأرض. بينما يجذبه ويجره منها مغتصب متجبر. لم يأبه البطل للدماء ولا للموت فداء لأرضه وحماية لوطنه الذي حفر فيه ذاكرته. كما هو شاهين كان فؤاد حداد ممسكا بتفاصيل الوطن. معَرِفا إياه بالتفاصيل. فالوطن هو من يسكن فيه أحبابي. من حمل طفولة أقدامي. وسذاجة أحلامي. من ربت على ظهر ألمي أو خوفي. من احتضن يأسي وعوضني بالأمل. الوطن هو من يضمن لي أن ألاحق الطيور في السماء وأطارد الأسماك. هو من يترك لي الهواء نقيا بلا خوف ولا أصفاد. الوطن هو من لا يعاتبني حين أحب وحين أكره. هو من يقبلني حيث أكون. هو من يفتح قلبه مثلما فعل «فؤاد حداد». وأنا بأفتح لكم قلبي وبين الأرض والنجمة أروح في الورد والنسمة تحدثكم حديث نعمة ونقرأ لكم ألم نشرح وأنا بأفتح.

مصر حتنور تاني

إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه...

بين اللجوء والنزوح مساحة ألم

سمعت تلك الكلمة للمرة الأولى في منزلنا بينما جارتنا تأخذ قسطا من الراحة لدينا. اعتذرت عن كوب الشاي الذي أعدته أمي قائلة «لازم احضر العشا للاجئين اللي عندي». أخبرتني أمي أن «اللاجئ « مصطلح يطلق...

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي...

في قلب القاهرة ماتت «شهرزاد»

«لقرون طويلة حكيت عني يا شهرزاد, غطى صوتك على صوتي» لكنى الآن وبدون ندم أشيعك إلى مثواك وأعلم أني لن أسبح في الفرح, لكني سأعيش بهجة غسل تراثك. وفى حضرة الحكاية علينا أن نبدأ القصة...

ثلاثة مشاهد لا يربط بينها إلا «المياه»

المشهد الأول: كان أن تحدث مرشح الرئاسة عن برنامجه الطموح لقيادة مصر في مرحلة مفصلية, واستعرض مجالات عدة ثم قال «وأما عن المياه فسوف نزيد مياه النيل بالدعاء». المشهد الثاني: صوت جهوري لرئيس الجمهورية آنذاك،...

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار...

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا...

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا...

في اكتمالي موتي.. وبالنقصان أستعيد الحياة

كان يكفي أن أنظر للسماء لأعلم لما لا يرد شقيقي على الهاتف. متحفزا. مكتملا. باهيا. كان قرص القمر في قلب السماء. متألقا وسط النجوم. مدركا حجم ضوئه وعمق أثره. مختالا بنوره الذي يوقظ كل الصحاري...

وللنساء مع الزلازل شأن آخر

في مايو ومنذ ما يزيد على ثلاثة وخمسين عاما, وقبل أن تهبط الأحلام على النائمين انفجر غضب ما من باطن الأرض فقسمها وضرب مبانيها وأهال التراب على ما يزيد على ثلاثة آلاف نسمة. يومها لم...

ولكل منا أريكته الزرقاء.. ولكل منا آذان أخرى

الشاب ذو الصوت الصادق حاصرني, كما كان لأسئلته تفرد مدهش فلم أملك إلا الانتظار, سار بي خطوات قليلة ثم أشار إلى سمكتين لونهما أزرق يتوسطان لوحة القماش المعلقة, وقال: «أتعرفين لماذا وُلدنا؟». صمت من هول...

في المطار يسألونك: أتحب الغناء والفرح!

أتصدقون أن بين وحشين كبار عاشت الغزالة الصغيرة آمنة حالمة, لكن الأهم أنها عن حق سعيدة, ثم عَنَّ لها أن تجرب الجنون, فإذا بها تعلن بصوت عال أنها في طريقها لتصدير السعادة, ولو لم أكن...